مع كل موجة حر تضرب القارة الأوروبية، تزدحم المستشفيات بحالات إجهاد حراري، رغم أن درجات الحرارة غالبًا ما لا تتجاوز 35 أو 38 درجة مئوية، بينما يعيش ملايين الأشخاص في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا صيفًا تتجاوز فيه الحرارة 45 وأحيانًا 50 درجة مئوية، ولكن.

تثير هذه المفارقة المناخية سؤالًا يبدو بسيطًا لكنه معقد علميًا: كيف يمكن أن تكون حرارة أقل أكثر خطورة من حرارة أعلى؟

يقول د. عادل دسوقي، استشاري الأمراض المدارية لـ«العين الإخبارية»، إن “الإجابة لا ترتبط بالرقم الظاهر على مقياس الحرارة فقط، بل بما يسمى الإجهاد الحراري، وهو مزيج معقد من الحرارة والرطوبة وسرعة الرياح والتعرض المباشر للشمس وطبيعة البيئة المحيطة”.

الرطوبة.. العدو الخفي.

ويضيف د. دسوقي أن “العامل الأكثر حسماً في هذه المعادلة هو الرطوبة. ففي أوروبا، كثيرًا ما تتزامن موجات الحر مع ارتفاع كبير في بخار الماء في الجو، ما يجعل الهواء مشبعًا بالرطوبة. وهنا تبدأ المشكلة؛ فالجسم البشري يعتمد على تبخر العرق لتبريد نفسه. لكن عندما يكون الهواء رطبًا، يصبح تبخر العرق أبطأ أو أقل كفاءة، فتحتبس الحرارة داخل الجسم”.

يوضح أن “الأمر يشبه محاولة تبريد نفسك داخل حمام بخار؛ حتى لو لم تكن الحرارة مرتفعة جدًا، فإن الجسم يفقد قدرته الطبيعية على التخلص من الحرارة. ولهذا السبب قد يشعر شخص في باريس عند 35 درجة ورطوبة مرتفعة بإرهاق أشد من شخص في الرياض أو القاهرة عند 45 درجة في جو جاف”.

وعلميًا، لا يعتمد تقييم الخطر على الحرارة الفعلية فقط، بل على ما يسمى “درجة الحرارة المحسوسة” أو مؤشر الحرارة، وهو مقياس يجمع بين الحرارة والرطوبة.

فعلى سبيل المثال، فإن 35° مع رطوبة 70% قد يشعر بها الجسم كما لو كانت 45° أو أكثر، بينما 45° مع رطوبة 15% قد تكون أقل إجهادًا نسبيًا لأن التبخر يعمل بكفاءة. وهذا يفسر لماذا تصدر هيئات الأرصاد الأوروبية تحذيرات صحية عند درجات تبدو “عادية” مقارنة بمناطق صحراوية.

مبانٍ تحبس الحرارة بدل طردها.

ولا تتوقف المشكلة عند المناخ؛ فالبنية التحتية الأوروبية تلعب دورًا مهمًا في تضخيم الخطر.

يقول د. دسوقي إن “معظم المباني في أوروبا صُممت تاريخيًا لمواجهة الشتاء القارس بجدران سميكة ونوافذ عازلة تحتفظ بالحرارة داخل المنازل. لكن خلال الصيف يتحول هذا التصميم إلى مصيدة حرارية؛ إذ تدخل الحرارة نهارًا وتبقى محتجزة لساعات طويلة”.

تشير تقارير أوروبية إلى أن نسبة كبيرة من المنازل في دول مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا لا تحتوي على أجهزة تكييف لأن موجات الحر الشديدة كانت تاريخيًا أقل شيوعًا.

المدن الأوروبية.. “جزر حرارية”
.

عامل آخر يزيد الوضع سوءا هو ما يعرف بظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”؛ ففي المدن المكتظة بالإسفلت والخرسانة تمتص الطرق والمباني الحرارة طوال النهار ثم تطلقها ليلًا مما يمنع انخفاض درجات الحرارة ويجعل الجسم تحت ضغط حراري مستمر.

وهذا يعني أن سكان المدن الكبرى مثل مدريد وروما وباريس قد يعيشون ليلًا درجات أعلى بكثير من المناطق الريفية المحيطة.

لماذا يتأقلم الشرق الأوسط بشكل أفضل؟

في المقابل، تتمتع مناطق واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بميزة مناخية مهمة وهي الجفاف النسبي.

يقول د. دسوقي إن “الهواء الجاف يسمح للعرق بالتبخر بسرعة مما يحافظ على فعالية نظام التبريد الطبيعي للجسم”.

ويضيف أنه “إلى جانب ذلك، طورت المجتمعات في هذه المناطق أساليب تكيف على مدى قرون مثل تقليل النشاط البدني وقت الظهيرة وتصميم المباني بتهوية طبيعية أفضل والاعتماد الواسع على أجهزة التكييف وتعديل أنماط العمل والحياة لتجنب ساعات الذروة”.