“تشرب قهوة”.. لم تعد هذه العبارة بسيطة كما كانت في السابق، فخلف هذين الكلمتين يكمن الكثير من التفكير حول تكلفة كوب القهوة ومدى جودته. لقد شهدت أسعار القهوة ارتفاعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وازدادت أيضاً اختلافات طعمها. هذه الحالة تُعتبر واحدة من الأمثلة العديدة على تكلفة تغير المناخ التي نواجهها يومياً، حيث لم تقتصر أزمة المناخ على التقارير العلمية فحسب، بل أصبحت “فاتورة يومية” ندفع ثمنها من جيوبنا وصحتنا ومستقبلنا.
ربما تساءلت: لماذا أصبح فنجان قهوتك الصباحي أغلى سعراً وأقل جودة؟ لكن هناك تساؤلات أخرى مهمة أيضاً. هل لاحظت أن فاتورة الكهرباء في الصيف أصبحت تأخذ جزءاً كبيراً من راتبك فقط لرغبتك في “البقاء بارداً”؟ هل وقفت في السوق متسائلاً بذهول عن سبب الارتفاع الجنوني لبعض المنتجات، وكيف تاهت الفصول من مزارعينا؟

أزمة المناخ وتكلفة القهوة العالمية
تغير المناخ وتأثيره على كوب قهوتك
ناقش “أسبوع لندن للعمل المناخي” (LCAW) تقاطعاً جوهرياً بين تغير المناخ والاقتصاد الكلي، يتمثل في التقلبات المتزايدة في إنتاج البن وأسعاره عالمياً وما يترتب على ذلك من تداعيات عميقة على الدول وسبل العيش.
وفقًا لتحليل معهد التنمية الخارجية (ODI) على موقعه الرسمي، ارتفع سعر عقود قهوة الأرابيكا في السوق العالمية بنحو 91% بين يوليو 2024 ويونيو 2025، ليصل إلى مستويات تاريخية. ولعل السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع هو تغير المناخ الذي تسبب بموجات جفاف وحر وطقس غير منتظم في البرازيل وفيتنام، أكبر منتجي البن في العالم.
تشير الدراسات إلى أنه بحلول عام 2050 قد تصبح أكثر من نصف الأراضي الحالية المناسبة لزراعة قهوة الأرابيكا غير صالحة إذا استمرت معدلات الاحترار الحالية، مما يهدد استمرار ارتفاع الأسعار على المدى الطويل.
كيف يتحرك العالم لحل المشكلة؟
كشف تقرير جديد صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن الأسعار العالمية للبن والكاكاو والشاي شهدت تقلبات كبيرة مؤخراً، تفاقمت بسبب نقاط الضعف الهيكلية. وهذا ما يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز أنظمة الإنتاج وتحسين شفافية السوق ودعم توزيع أكثر توازناً للقيمة عبر سلسلة القيمة لتعزيز استقرار السوق وحماية سبل العيش.
قال بوبكر بن بلحسن، مدير قسم الأسواق والتجارة في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو): “في السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار المشروبات العالمية بوتيرة أسرع بكثير من أسعار السلع الزراعية الأخرى. إن الجمع بين العرض المركز والاستهلاك العالمي المتزايد يخلق بيئة خصبة لتقلبات كبيرة في أسعارها الدولية.” وأضاف: “لا تزال الصدمات المرتبطة بالطقس كالجفاف والصقيع والأمطار الغزيرة هي المحفزات الرئيسية لارتفاع الأسعار، وقد زادت أمراض النباتات وارتفاع تكاليف المدخلات والعمالة والتوترات الجيوسياسية وتأخيرات الشحن من الضغوط.”.
يدعو التقرير إلى اتخاذ إجراءات سياسية منسقة لمعالجة مواطن الضعف الهيكلية وتخفيف آثار الصدمات. فعلى مستوى الإنتاج، يعد تعزيز القدرة على الصمود أمراً بالغ الأهمية، بما في ذلك الاستثمار في أنظمة زراعية مقاومة لتغير المناخ وإدارة فعالة للآفات والأمراض وتحسين أدوات إدارة المخاطر لتحقيق استقرار الإنتاج والدخل.
كما أن تمكين المنتجين من تطوير منتجاتهم ضمن سلاسل القيمة، بما في ذلك المعالجة والشهادات والعلامات التجارية، يمكن أن يزيد من حصتهم من القيمة ويعزز تنمية أكثر شمولًا واستدامة. وبدون هذه التدابير ستظل أسواق السلع الأساسية للمشروبات العالمية عرضة للصدمات مع استمرار المخاطر التي تهدد سبل عيش ملايين المزارعين والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي في البلدان المنتجة.

