تتسبب حرائق الغابات الكبرى في خسائر بشرية وبيئية واقتصادية هائلة، لكن تأثيرها لا يتوقف عند احتراق المنازل والغابات، إذ يمكن للدخان الكثيف الناتج عنها أن يحرم ألواح الطاقة الشمسية من جزء كبير من أشعة الشمس، ما يؤدي إلى انخفاض كمية الكهرباء التي تنتجها. وأصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا مع تزايد شدة الحرائق في عدد من مناطق العالم نتيجة فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يضيف تحديًا جديدًا إلى قطاع الطاقة الشمسية الذي تتوسع الحكومات في الاعتماد عليه باعتباره بديلاً للوقود الأحفوري.

حرائق كندا 2023 أهدرت مليارات الدولارات من الطاقة الشمسية

كشفت دراسة نشرت في دورية Nature في يوليو 2026 حجم التأثير المحتمل لدخان حرائق الغابات على إنتاج الطاقة الشمسية، حيث ركز الباحثون على الحرائق القياسية التي ضربت كندا عام 2023. ووجدوا أن الدخان والجزيئات العالقة في الغلاف الجوي حجبت أو شتتت جزءًا من أشعة الشمس التي كان من المفترض أن تصل إلى الألواح الشمسية. وبحسب النموذج الذي استخدمه الباحثون، أدت التأثيرات الجوية الناجمة عن انبعاثات حرائق كندا خلال فترة امتدت خمسة أشهر إلى خسارة نحو 6.38 تيراواط/ساعة من إنتاج الطاقة الشمسية في أمريكا الشمالية وأوروبا.

1.9 مليار دولار خسائر اقتصادية

لماذا يقل إنتاج الألواح الشمسية عند انتشار الدخان؟

تعتمد الألواح الشمسية على وصول ضوء الشمس إلى سطحها لتحويله إلى كهرباء. وعندما يمتلئ الغلاف الجوي بجزيئات الدخان والمواد العالقة، فإنها تعمل على حجب جزء من أشعة الشمس أو تشتيتها قبل وصولها إلى الألواح، وهو ما يقلل كمية الضوء التي تستطيع الخلايا الشمسية الاستفادة منها. وقد يؤثر هذا حتى على الأنظمة التي لا توجد بالقرب من الحرائق مباشرة، لأن الدخان يمكن أن ينتقل لمسافات طويلة عبر الغلاف الجوي.

ولا تقتصر العوامل التي تقلل كفاءة الألواح الشمسية على دخان حرائق الغابات، فقد تؤثر انبعاثات السيارات ومحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم في كمية أشعة الشمس التي تصل إلى الألواح. بينما يمكن للغبار الناتج عن أنشطة مثل البناء والتعدين أن يتراكم مباشرة على سطح الألواح، ما يؤدي إلى تراجع إنتاجها. ومع توسع الاعتماد العالمي على الطاقة الشمسية، تصبح مواجهة هذه العوامل أكثر أهمية للحفاظ على كفاءة محطات الطاقة.

التنبؤ بالدخان قد يساعد شبكات الكهرباء

في ظل صعوبة السيطرة على حرائق الغابات على نطاق واسع، يرى الباحثون أن أحد الحلول العملية يتمثل في تحسين توقعات إنتاج الطاقة الشمسية أثناء فترات انتشار الدخان. فإذا تمكن مشغلو شبكات الكهرباء من معرفة حجم الانخفاض المتوقع في إنتاج الطاقة الشمسية مسبقًا، يمكنهم الاستعداد له من خلال توفير مصادر بديلة للكهرباء. وقد يساعد ذلك على تجنب نقص الإمدادات مع تقليل التكاليف المرتبطة باللجوء إلى مصادر كهرباء بديلة في اللحظات الأخيرة.

وهناك بالفعل مؤشرات على إمكانية تحقيق ذلك؛ إذ طورت دراسة أجرتها جامعة كورنيل عام 2025 نموذجًا يعتمد على التعلم الآلي للتنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية أثناء فترات الدخان الكثيف. وأظهرت الدراسة أن النموذج تفوق بصورة ملحوظة على التوقعات المستخدمة آنذاك من جانب مشغل شبكة الكهرباء في نيويورك، مما يشير إلى أن تحسين دقة التنبؤات يمكن أن يساعد في تحقيق توازن أفضل بين إنتاج الكهرباء والطلب عليها.

التلوث والغبار يحتاجان إلى حلول مختلفة.

في حالة التلوث الناتج عن السيارات والمصانع، يكمن الحل المباشر في تقليل انبعاثات الجسيمات من مصادرها باستخدام تقنيات أنظف وتشديد معايير مكافحة التلوث. أما بالنسبة للغبار الناتج عن أعمال البناء والتعدين، فمن الممكن الحد من تأثيره من خلال تحسين ممارسات التحكم فيه، بالإضافة إلى تنظيف الألواح بصورة أكثر انتظامًا وكفاءة عندما تتراكم عليها الأتربة.

الحرائق قد تدمر الألواح نفسها وليس فقط إنتاجها

لا يقتصر تأثير حرائق الغابات على حجب ضوء الشمس فقط؛ إذ يمكن للحرائق نفسها أن تصل إلى مزارع الطاقة الشمسية وتتسبب في أضرار مادية مباشرة. وقد حددت وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) حرائق الغابات باعتبارها أحد المخاطر التي يمكن أن تؤدي إلى اشتعال أنظمة الطاقة الشمسية أو إذابة بعض المكونات المستخدمة في تشغيلها. ووقعت حالة فعلية في يوليو 2026 عندما وصل حريق غابات في جنوب فرنسا إلى مزرعة للطاقة الشمسية تديرها شركة Luxel.

كيف نجت معظم مزرعة الطاقة الشمسية في فرنسا؟

ضمت المزرعة نحو 43,500 لوح شمسي، تعرض قرابة 100 منها للتلف بالإضافة إلى عدد من الكابلات. لكن المحولات وأجهزة Inverters الرئيسية نجت من الحريق واستمرت في العمل. ويرجع أحد أسباب محدودية الأضرار إلى الإدارة الجيدة للنباتات المحيطة بالمزرعة؛ إذ قالت Luxel إن أعمال إزالة الغطاء النباتي المنتظمة، بما في ذلك تنظيف منطقة تمتد لمسافة 50 مترًا حول الأسوار ساعدت على منع النيران من الوصول إلى معظم المنشأة.

كيف تحمي مزارع الطاقة الشمسية من الحرائق؟

توصي وزارة الطاقة الأمريكية مشغلي محطات الطاقة الشمسية الموجودة في المناطق المعرضة لحرائق الغابات بإنشاء مساحة عازلة آمنة حول المنشآت عبر إدارة الغطاء النباتي بشكل منتظم. كما توصي بتمهيد المناطق المحيطة بالمعدات المهمة ووضع المكونات الكهربائية الحيوية داخل حاويات مقاومة للحريق، بالإضافة لضمان قدرة فرق الإطفاء على الوصول بسرعة وسهولة لأجزاء المنشأة. وتشدد الوزارة كذلك على ضرورة إعداد خطة طوارئ خاصة بحرائق الغابات وتحديثها بصورة دورية.

الطاقة الشمسية تواجه تحديًا جديدًا مع تغير المناخ

مع استمرار التوسع العالمي لاستخدام الطاقة الشمسية لم يعد التحدي يقتصر فقط على تطوير ألواح أكثر كفاءة لتحويل ضوء الشمس إلى كهرباء؛ فالقطاع يحتاج أيضًا للتعامل مع المخاطر البيئية المحيطة به بدءًا من دخان الحرائق والتلوث والغبار وصولاً لخطر تعرض المنشآت نفسها للحرائق. وتوضح هذه التطورات أن مستقبل الطاقة الشمسية لن يعتمد فقط على تحسين التكنولوجيا بل أيضًا على تحسين طرق التنبؤ بالإنتاج واختيار مواقع المحطات وحمايتها من الكوارث البيئية التي قد تعطل عملها.