تحدثنا في المقال السابق عن تصريح وزير الصناعة المهندس خالد هاشم الذي وضع رقم الـ100 مليار دولار هدفًا، واليوم نتناول الأهم: كيف يمكننا الوصول إلى هذا الهدف؟ وكيف نحول هذا الطموح التصديري إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الصناعة المصرية؟
المعادلة ليست معقدة؛ فمصر تحتاج إلى حسن إدارة مواردها أكثر من حاجتها لمزيد من الموارد. فالموقع الجغرافي، والسوق، والموانئ، والموارد الطبيعية، والقوة البشرية المتاحة، كلها عناصر تجعل من الصناعة أحد أبرز محركات الاقتصاد، بشرط أن ننتقل من إدارة المشكلات إلى صناعة الحلول.
يجب أن تبدأ خطواتنا بتعميق التصنيع المحلي. فلا معنى لزيادة الصادرات إذا كانت فاتورة استيراد المكونات ومدخلات الإنتاج تتزايد. يجب أن يصبح كل مصنع نواة لسلسلة صناعية متكاملة تشمل: منتج نهائي، ومكونات محلية، وموردين محليين، ومراكز بحث وتطوير، وعمالة مصرية ماهرة.
وبذلك تتحول الـ100 مليار دولار من رقم مستهدف إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري. لذا ينبغي علينا تحديد الصناعات التي نملك فيها مزايا نسبية حقيقية والتركيز عليها بدلًا من تشتيت الموارد. فلكل محافظة ميزة نسبية يمكن البناء عليها؛ بدءًا من الزراعة والصناعات الغذائية وصولًا إلى الغزل والنسيج والهندسية والدوائية والكيماوية والبتروكيماوية والطاقة واللوجستيات. يجب وضع خريطة صناعية واضحة تحدد لكل محافظة: ماذا ننتج؟ ولماذا هنا؟ ولأي سوق؟
ومن هنا تبرز أهمية تمكين المحافظين بصلاحيات حقيقية مع محاسبتهم على النتائج. لا يمكن أن نطلب من مسؤول جذب الاستثمارات ثم نتركه أسير عشرات الموافقات المركزية. نحن بحاجة إلى إدارة محلية اقتصادية قادرة على اتخاذ القرار، مع مؤشرات أداء تقيس عدد المصانع وحجم الاستثمارات وفرص العمل وقيمة الصادرات.
المعركة الأهم ضد البيروقراطية
يجب ألا يتحول المستثمر إلى ساعي بريد بين الوزارات والهيئات. المطلوب هو وجود شباك واحد حقيقي ومنصة إلكترونية موحدة ومدة زمنية محددة لكل إجراء، بحيث يعرف المستثمر منذ البداية ما المطلوب منه ومتى يحصل على الموافقة. فالاستثمار لا يحب الغموض والصناعة لا تنتظر.
أما التعليم فهو الحلقة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها. لا يمكن أن نسعى لإنشاء صناعة تكنولوجية حديثة بينما التعليم ينتج أعدادًا كبيرة من الخريجين دون مهارات كافية. يجب ربط التعليم الفني والجامعي بالمصانع وتحويل البحث العلمي إلى منتجات وتشجيع الابتكار وفتح أبواب الجامعات أمام الصناعة بحيث يصبح المصنع شريكًا في تحديد احتياجات التعليم بدلاً من كونه مجرد متلقٍ لخريجيه.
بعد ذلك يأتي دور المكاتب التجارية المصرية في الخارج. يجب أن تكون مهمتها الحقيقية فتح الأسواق وليس مجرد تمثيل مصر فيها. ينبغي أن يعرف كل مكتب تجاري ماذا يحتاج السوق الذي يعمل فيه ومن هم المشترون وما المنتجات التي يمكن لمصر تصنيعها وتصديرها، ثم ينقل هذه المعلومات مباشرة إلى المصنع المصري.
نحن بحاجة للانتقال من سؤال: ماذا نريد أن نصدر؟ إلى سؤال أكثر ذكاءً: ماذا يريد العالم أن يشتري وما الذي نستطيع صنعه؟
كما يجب اختيار القيادات الاقتصادية بناءً على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، فالمشروع الصناعي لا يحتمل إدارة تقليدية أو قرارات بطيئة. نحن بحاجة لعقلية تقيس النجاح بالأرقام: مصنع جديد، فرصة عمل جديدة، مكون محلي أعلى، صادرات أكبر، واردات أقل وقيمة مضافة أعلى.
وهكذا تتكامل رؤية وزير الصناعة مع القراءة الاقتصادية التي طرحها الدكتور رضا عبد السلام: المشكلة ليست في غياب الإمكانات بل في ضعف تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج. وبالتالي فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالاحتفال بزيادة الصادرات بل بتغيير هيكل الاقتصاد نفسه..
من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد إلى اقتصاد يصنع مدخلاته ومن اقتصاد يبيع المواد الخام إلى اقتصاد يصنع المنتج ومن اقتصاد يبحث عن العملة الصعبة إلى اقتصاد يولدها من الإنتاج.
عندئذٍ فقط يصبح الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات هدفًا واقعيًا ليس فقط لأننا ضاعفنا أرقام الصادرات بل لأننا ضاعفنا قدرتنا على الإنتاج.
هذه هي الرؤية التي ينبغي أن ننطلق منها: صناعة محلية عميقة وتعليم منتج وبحث علمي مرتبط بالسوق وإدارة كفؤة وبيروقراطية أقل وصلاحيات أوسع وأسواق تصديرية أكثر ذكاءً ومحاسبة حقيقية على النتائج.
فمصر ليست فقيرة في الفرص؛ الفقر الحقيقي هو امتلاك الفرصة وعدم استثمارها بشكل جيد.. ولعل تصريح وزير الصناعة يكون بداية لمرحلة جديدة: مرحلة نقيس فيها قوة مصر بما تستطيع صنعه بعقول أبنائها وبيعه للعالم وإضافته لثروتها يوميًا. عندئذٍ لن تكون الـ100 مليار دولار نهاية الطريق بل بداية لمصر الصناعية التي تستحقها.

