انقلبت الأوضاع، وأصبحت الولايات المتحدة تطلب وإيران تتمنع. في السابق، كان الموقف سيادياً وقهرياً، حيث كان ترامب يهدد بتدمير إيران، مما دفع الإيرانيين للهرولة عبر الوسطاء للتمسك بالصبر، إذ كان القرار في طهران منقسماً. وقد قدموا للعالم صورة مفادها أن الرئيس بزيشكيان وعراقجي وزير الخارجية وقاليباف رئيس البرلمان يمثلون معسكر الاعتدال والعقل، بينما الحرس الثوري هو المتطرف الذي يسعى لاستمرار الصراع.

واتخذت إسرائيل قراراً باغتيال عراقجي وقاليباف، لكن ترامب منع نتنياهو من تنفيذ ذلك، لأنهما يمثلان واجهة التفاوض المعتدلة. ومع ذلك، فإن هذا لم يكن سوى خدعة مارسها الإيرانيون، كما خدعهم ترامب سابقاً عدة مرات.

الآن انكشفت الأدوار، وربما يخشى عراقجي وقاليباف من وصمة الخيانة العظمى بعد الهتافات الغاضبة ضدهما في الشارع الإيراني، والتي مصدرها الحرس الثوري الذي يسعى لقمعهما أو تقييد حركتهما. وقد أصبح الجميع الآن مع استمرار العمليات، ورفضت طهران طلب واشنطن للهدنة.

إيران تؤكد أن الهدنة غير المعلنة منذ ليلتين توقفت فيها القاذفات الأمريكية عن قصف جنوب إيران ومدنها الساحلية. تريد واشنطن هذه الهدنة لتجديد مخزونها من السلاح ولتخفيف الضغط على أسواق النفط، مما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار في الولايات المتحدة ويرضي المواطن الأمريكي ويجنب ترامب خسارة انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ في نوفمبر.

الحسابات الآن لمصلحة إيران، وعلى الرغم من تلويح ترامب قبل 48 ساعة بأنه يوشك على اتخاذ قرار بحرب موسعة على إيران لإخضاعها، إلا أن العقلاء في إدارته نصحوه بالنظر إلى التداعيات الكارثية التي قد تنجم عن اتخاذ قرار الضرب الشامل.

أحد أبرز هؤلاء العقلاء هو نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس هيئة الأركان المشتركة اللذان اقترحا مواصلة إقناع إيران. انظر إلى التعبير: “إقناع إيران”. بذلك أصبحت واشنطن تترقب وإيران تتمنع، وهو ما أعلنته بالفعل بأنها لن توقف الحرب ما لم يتم تنفيذ مذكرة التفاهم.

تحليل مذكرة التفاهم يظهر أنها مزروعة بألغام؛ أخبثها هو النص الذي يشير إلى ضمان إيران المرور الآمن للملاحة الدولية في مضيق هرمز. بهذا الشكل منحت واشنطن لطهران دور الضامن للمرور، والضامن يتولى الإشراف والترتيب لضمان هذا المرور.

فأي غباء هذا الذي صاغ النص؟ وأي غباء هذا الذي وافق دون قراءة دقيقة لملف إيران النووي؟ باتت أزمة هرمز هي العنوان الأول في الصراع ولم يعد يجدي ترامب أن يكرر جملته الأشهر بأنه لن يسمح لإيران بالحصول على السلاح النووي. كما أنه استخدم عبارات غير لائقة لوصف القادة الإيرانيين.

بعد غدٍ الثلاثاء يصل نتنياهو رئيس حكومة المتطرفين في إسرائيل والذي يمتلك القدرة على التلاعب بعقل ترامب. وهذا ما يخشاه العقلاء في البيت الأبيض والبنتاغون والخارجية الأمريكية؛ فهي زيارة تهدف إلى تنسيق الأدوار وتحديد ساعة الصفر والمدى الزمني والاحتياجات المطلوبة للجيش الإسرائيلي.

كما أن نتنياهو يريد الحرب لأنها تخدم مصالحه الانتخابية مجدداً. بينما يبدو أن ترامب غير مدرك بشكل كافٍ لميول الناخب الأمريكي وسط تأرجح أسعار النفط. هل يكون صمت ترامب وطلبه للهدنة وممارسة وقف القصف خدعة رابعة أم تعقلاً بعد إدراك حجم الكوارث والتداعيات؟ مع التحذير من أن الذخائر مثل باتريوت وغيرها غير كافية.

مجال الضرب ورد الضرب والقصف ورد القصف… هو البيت العربي رهينة ثلاثة قوى استعمارية توسعية مبتزة: إسرائيل وإيران وترامب.