يشير التقرير الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان “مراجعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لسياسة الابتكار: مصر 2026” إلى أن الروبوتات والذكاء الاصطناعي أصبحا جزءًا من الرؤية الإستراتيجية للدولة، حيث أدرجتهما الحكومة ضمن عدد من السياسات الوطنية، أبرزها الإستراتيجية الوطنية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار 2019، والسياسة الوطنية للابتكار 2023، بجانب إستراتيجية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي 4.0.
ورغم هذا التوجه، يرى التقرير أن الاهتمام الحالي لا يزال يركز بصورة أكبر على تطوير البنية التحتية البحثية والرقمية وتحسين بيئة الابتكار، أكثر من تركيزه على وضع أهداف تنفيذية واضحة أو مؤشرات أداء قابلة للقياس لتطبيقات الروبوتات والذكاء الاصطناعي. كما يلفت إلى غياب ما يسميه “التخطيط الاستباقي” للتعامل مع التحولات التكنولوجية الكبرى وما قد تفرضه من تغييرات جوهرية في هيكل الوظائف وسوق العمل خلال السنوات المقبلة.
ويستشهد التقرير بتجربة كوريا الجنوبية باعتبارها نموذجًا دوليًا، حيث صنفت الحكومة الكورية الروبوتات المتقدمة ضمن 12 تقنية إستراتيجية وطنية مع تخصيص استثمارات كبيرة لتعزيز التعاون بين الجامعات والصناعة وتسريع تطوير هذه التكنولوجيا وتحويلها إلى منتجات وتطبيقات صناعية.
وفي هذا السياق، يتناول التقرير إستراتيجية الذكاء الاصطناعي 2025-2030 بوصفها إحدى الإستراتيجيات الرئيسة للتحول الرقمي في مصر، موضحًا أنها ترتكز على ثلاثة محاور أساسية؛ هي تطوير البنية التحتية الرقمية وبناء المهارات والكوادر البشرية والتوسع في الخدمات الذكية.
ويبيّن التقرير أن إدراج الروبوتات والذكاء الاصطناعي في الإستراتيجيات الوطنية يعد خطوة مهمة، لكنه يؤكد أن تحقيق الاستفادة الاقتصادية الكاملة يتطلب الانتقال من مرحلة الإعلان عن الأولويات إلى مرحلة التنفيذ العملي عبر برامج محددة ومؤشرات أداء واضحة وخطط تستشرف مستقبل التكنولوجيا وتأثيرها على الصناعة وسوق العمل.
التحول نحو الأتمتة
يقول أيمن بازرعة الرئيس التنفيذي لشركة سبرينتس للحلول البرمجية إن مصر تشهد تحولًا نحو الأتمتة الصناعية لرفع كفاءة المصانع وتعزيز قدرتها التنافسية، في ظل توجه متزايد نحو التصنيع الذكي والتحول الرقمي. مشيرًا إلى أن الأتمتة لم تعد خيارًا تكنولوجيًا بل أصبحت ضرورة لزيادة الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات وخفض تكاليف التشغيل.
ويوضح لـ”مصراوي” أن الأتمتة الصناعية تعتمد على دمج أنظمة التحكم الذكية وأجهزة الاستشعار والروبوتات الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتنفيذ العمليات الإنتاجية بأقل تدخل بشري. بينما تسهم هذه التقنيات في تسريع الإنتاج وتقليل الأخطاء البشرية وتحسين مستويات السلامة داخل المصانع بجانب ضمان ثبات جودة المنتجات.
وتشير تقديرات مؤسسة داتا بريدج ماركت ريسيرش إلى استمرار نمو سوق الأتمتة الصناعية في مصر خلال السنوات المقبلة، إذ يُتوقع أن يرتفع حجم السوق من نحو 877.6 مليون دولار بنهاية 2024 إلى 1.47 مليار دولار بحلول 2032.
وتوضح التقديرات أن قطاع الصناعات التحويلية يستحوذ على الحصة الأكبر من سوق الأتمتة بإيرادات بلغت 736.4 مليون دولار في 2024، فيما تُعد المستشعرات أسرع مكونات السوق نموًا بمعدل سنوي يصل إلى 9.57% حتى 2032 مدفوعة بالتوسع في تطبيقات المصانع الذكية والتحول الرقمي.
كما تتوقع الدراسة استمرار تصدر الأتمتة القابلة للبرمجة لأنظمة التشغيل الصناعية مع نموها بمعدل 9.08% سنويًا، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على خطوط الإنتاج الذكية والروبوتات الصناعية وأنظمة التحكم والمراقبة الرقمية بما يعكس تسارع استثمارات القطاع الصناعي في التقنيات الحديثة لرفع الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض تكاليف التشغيل.
الروبوت والأتمتة في مصر
ويرى تقرير لشركة سكس دابليو ريسيرش العالمية لأبحاث السوق أن سوق الأتمتة الصناعية في مصر يسير في مسار نمو متواصل مدفوعًا بتوجه متزايد داخل المصانع لتبني تقنيات الصناعة (4.0) بهدف رفع كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف التشغيلية، بجانب جهود حكومية تستهدف تحديث القطاع الصناعي وتعزيز التصنيع الذكي.
ويشير التقرير إلى أن قطاعات البترول والغاز والسيارات والصناعات الغذائية والدوائية تمثل المحرك الرئيس للطلب على حلول الأتمتة مع تزايد الاعتماد على الروبوتات الصناعية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء الصناعي (IIoT) لتحسين جودة الإنتاج وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
<p ويتوقع التقرير أن يؤدي التحول الرقمي والتوسع في إنشاء المصانع الذكية إلى زيادة الاستثمارات في أنظمة التحكم والمراقبة الصناعية خلال السنوات المقبلة بمصر بما يدعم تنافسية الصناعة المصرية.
يضيف أيمن بازرعة أن تطبيقات الأتمتة في العديد من الصناعات (من بينها الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والتعبئة والتغليف والصناعات الثقيلة) تدفع المصانع إلى الاعتماد على خطوط إنتاج ذكية تضم أنظمة الفحص والكشف عن المعادن وأجهزة التحقق الآلي من الأوزان وأنظمة التعبئة الآلية فضلًا عن أنظمة المراقبة الرقمية التي تتيح متابعة الإنتاج واتخاذ القرارات لحظيًا اعتمادًا على البيانات.
ويشير بازرعة إلى أن الأتمتة ونظم الروبوتات تمنح المصانع القدرة على التشغيل المستمر على مدار الساعة وزيادة الإنتاج وتقليل الفاقد في المواد الخام وخفض الاعتماد على الأعمال اليدوية بما يعزز تنافسية المنتجات في الأسواق المحلية والعالمية ويدعم التوسع في الصادرات.
الروبوت.. الجزء الأهم في الصناعة
شهدت مصر في 12 أبريل 2026 إطلاق شركة ريدبوتس كأول شركة متخصصة في تصميم وتصنيع الروبوتات الصناعية محليًا, كمؤشر على تطور قدرات التصنيع التكنولوجي في المنطقة وفتح الباب أمام توطين صناعة الروبوتات المستخدمة في القطاعات الإنتاجية.
وتمكنت الشركة من تطوير منظومة متكاملة داخل مصر تشمل التصميم الميكانيكي والإلكترونيات وأنظمة التحكم بالإضافة إلى برمجيات الذكاء الاصطناعي لتقديم روبوتات صناعية جاهزة للاستخدام في تطبيقات متعددة, من بينها أعمال اللحام وتشغيل ماكينات التحكم الرقمي (CNC) وأتمتة المخازن وسلاسل الإمداد.
ويرى محللون أن أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على كونها أول تجربة محلية لتصنيع الروبوتات الصناعية, وإنما تمثل تحولًا في سلاسل الإمداد إذ تتيح للشركات العاملة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الاعتماد على حلول تصنيع محلية بما يقلل الحاجة لاستيراد أنظمة الأتمتة من الأسواق الغربية ويحد من تأثير اضطرابات سلاسل التوريد العالمية.
كما تعكس التجربة توجهًا جديدًا نحو الدمج بين الذكاء الاصطناعي والتصنيع الصناعي, من خلال تطوير برمجيات التحكم والذكاء الاصطناعي محليًا بدلًا من الاعتماد على استيراد الأنظمة الجاهزة وهو ما يعزز القيمة المضافة للصناعة المحلية ويرفع تنافسيتها.
ويقول أيمن بازرعة إن المزايا التي توفرها الأتمتة لا تزال تواجه تحديات أبرزها ارتفاع التكلفة الاستثمارية الأولية ونقص الكوادر الفنية المتخصصة وضعف الوعي لدى بعض أصحاب المصانع بالعوائد الاقتصادية طويلة الأجل لهذه التقنيات, إلا أن هذه التحديات تتراجع تدريجيًا مع توسع برامج التدريب وزيادة المبادرات الحكومية والشراكات مع الشركات العالمية العاملة بمجال التكنولوجيا الصناعية.

