السؤال الذي طرحه الدكتور النائب رضا عبد السلام جاء إجابته بالنفي القاطع، مما يثير تساؤلات عميقة حول المشهد الإعلامي في مصر. فثمة أسئلة لا تُطرح طلبًا لإجابة عابرة، بل بحثًا عن إجابات تُوقظ الضمير. ومن بين هذه الأسئلة: هل المشهد الإعلامي الحالي يعكس صورة مصر الحقيقية في عيون أبنائها والعالم؟ الإجابة، إذا كنا صادقين مع أنفسنا، ليست مريحة.

مصر التي أنجبت صحافة شكلت وعيًا حقيقيًا، والتي قدمت لنا أسماء بارزة مثل محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين ومصطفى وعلي أمين وأحمد رجب وأنيس منصور، لا ينبغي أن ترضى بمشهد تتحول فيه كثرة المنابر إلى بديل عن عمق الرسالة، وارتفاع الصوت إلى بديل عن قوة الحجة، وحضور الشاشة إلى بديل عن الموهبة.

لقد كان حمدي قنديل نموذجًا للإعلامي الذي استطاع تحويل الحوار التلفزيوني إلى فعل ثقافي وسياسي وليس مجرد مساحة للكلام. وكان مفيد فوزي مدرسة خاصة في إدارة الحوار والاقتراب من الشخصيات العامة، حتى أصبح هناك اختلاف حول أسلوبه ومواقفه.

كما قدم طارق حبيب حوارات ثرية مع شخصيات متنوعة، وكل من هؤلاء ترك بصمته بطريقته الخاصة، مؤكدين أن التلفزيون لا يصنع النجومية وحده؛ بل تصنعها الموهبة والحضور والثقافة والقدرة على الإمساك بخيط الحوار.

وفي المجال الحواري أيضًا ظهرت تجارب أثبت أصحابها قدرة استثنائية على التأثير واستقطاب الجمهور، مثل الراحل وائل الإبراشي ولميس الحديدي التي قدمت نموذجًا للصحفية التلفزيونية القادرة على متابعة الملفات الاقتصادية والسياسية وإدارة النقاش العام. يمكن أن نتفق أو نختلف مع هؤلاء، لكن الإنصاف يستدعي الاعتراف بأن صناعة التأثير شيء، وصناعة الضجيج شيء آخر.

وهنا يتبادر السؤال: أين الجيل الجديد الذي يمكن أن نضعه بجوار هذه الأسماء بعد عشرين عامًا؟ ومن هم الوجوه التي ستصبح غدًا مرجعًا للناس كما أصبح هؤلاء جزءًا من ذاكرة الشاشة المصرية؟

هذه هي القضية الحقيقية؛ فالناس لا تهجر الإعلام لأنه موجود، بل تهجره عندما تفقد الثقة فيه. ولا تنجذب إلى الشاشة لمجرد وجود صورة وصوت فيها، وإنما عندما تجد صدقًا وموضوعية واتزانًا ومهنية وشخصية جديرة بالثقة.

لذا فإن أزمة الإعلام ليست في نقص الأستوديوهات أو قلة ساعات البث أو غياب الإمكانات التقنية. الأزمة تكمن في مكان أعمق: من نختار؟ وكيف نختار؟ ولماذا نضع هذا في موقع التأثير ونحرم ذاك منه؟

ولعل أخطر ما قد يصيب الإعلام هو أن تتحول الشهرة إلى معيار للكفاءة، وأن يصبح ارتفاع نسبة المشاهدة دليلاً وحيدًا على النجاح. فليس كل ما يجذب الناس يرتقي بهم، وليس كل ما يحقق الانتشار يُنتج وعيًا. الإعلام هو صناعة تأثير، لكن التأثير بلا مسؤولية قد يتحول إلى عبء على المجتمع.

وهنا نستعيد المعنى القرآني البالغ الدلالة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. فالإعلام أمانة؛ لأنه لا يخاطب آذان الناس فقط بل يشكل جزءًا من وعيهم ويؤثر في أحكامهم ومواقفهم وقد يزرع في المجتمع أملًا أو يزيد فيه إحباطًا.

وقال النبي ﷺ: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». والمعنى شديد الصلة بكل عمل عام: حين يغيب معيار الكفاءة لا يكفي حسن النية لإنقاذ المؤسسة.

ومصر ليست فقيرة بالمواهب؛ فهي دولة تتجاوز المائة وعشرة ملايين نسمة وفيها ملايين الموهوبين ومئات الآلاف من أصحاب الخبرات في الإعلام والفن والثقافة والعلوم. لذا فإن السؤال ليس: هل لدينا إعلاميون موهوبون؟ وإنما: هل نبحث عنهم؟ وهل نعطيهم الفرصة؟ وهل نضع معيارًا عادلًا لاختيارهم؟

أقترح أن يبدأ الإصلاح بسؤال بسيط لم يأخذ حقه: هل سألنا المصريين فعلاً ماذا يريدون من إعلامهم؟ استطلاع علمي مستقل يستهدف اكتشاف الواقع: من يثق الناس به؟ لماذا يشاهدون برنامجاً ويتركون آخر؟ ما الذي يجذبهم وما الذي ينفرهم وما الموضوعات التي يريدون من الإعلام تناولها بعيداً عن القوالب الجاهزة؟

ثم تبدأ عملية إعادة البناء: اكتشاف المواهب في الجامعات وإنشاء مسارات حقيقية لتأهيل الإعلاميين الشباب وإعادة الاعتبار للتحقيق والحوار والتحليل وتوسيع مساحة الخبراء والمتخصصين وربط التقدم المهني بالكفاءة والتأثير واحترام قواعد المهنة.

ولا بد أن يمتد الإصلاح إلى القوة الناعمة المصرية كلها؛ فالإعلام لا يعيش منفصلًا عن الفن والثقافة والتعليم والجامعة والبحث العلمي. مصر التي أنجبت أم كلثوم وعبد الحليم وفاتن حمامة ويوسف وهبي كما أنجبت هيكل وبهاء الدين وقنديل تستطيع تقديم أجيال جديدة من الفنانين والصحفيين والإعلاميين والمفكرين.

المسألة إذن ليست حنيناً إلى الماضي بل ثقةً في قدرة مصر على إنتاج المستقبل.. لقد مر المجتمع المصري بسنوات صعبة وتعرضت مساحات كثيرة فيه للتراجع لكن المجتمعات العريقة لا تُقاس بما فقدته فقط بل بقدرتها على استعادة ما فقدته وإضافة ما لم يكن لديها.

مصر تحتاج إلى إعلام يحبها بما يكفي ليقول الحقيقة ويضع الإنجاز في حجمه والخطأ في موضعه ويمنح المواطن حقه في المعرفة دون تهويل أو تهوين.

نحتاج إلى إعلام لا يخاف من السؤال ولا يستخف بعقل المواطن ولا يحول الاختلاف إلى خصومة ولا النقد إلى هدم ولا التأييد إلى تملق.

وعندما نعيد الاعتبار للكفاءة ونفتح الطريق أمام الموهبة ونستعيد احترام المهنة ونضع الشخص المناسب في المكان المناسب سنكتشف أن الأزمة لم تكن يومًا بسبب غياب المواهب وإنما لأن كثيراً منها لم يجد الطريق إلى الشاشة.

وعندها لن يكون السؤال: هل المشهد الإعلامي يليق بمصر؟ بل سيكون السؤال: هل استطعنا أن نصنع إعلاماً يليق بمصر التي نريدها؟

فمصر التي صنعت في الماضي هيكل وقنديل وبهاء الدين ومفيد فوزي وقبلهم وبعدهم عشرات ممن تركوا أثرهم ليست عاجزة عن صناعة جيل جديد لكنها تحتاج للبحث عنهم بجدية ومنحهم الفرصة والتوقف عن التعامل مع الإعلام باعتباره مجرد شاشة فهو جزء من عقل الأمة وضميرها وصورتها أمام العالم.

ومتى أدركنا ذلك يصبح إصلاح الإعلام ليس ترفاً مهنيّاً وإنما مشروعاً وطنياً لاستعادة الثقة وبناء المستقبل.. شتان بين مذيعي الأمس الذين تركوا بصمات لا تزال عالقة في وجدان الأمة ومذيعي اليوم الذين انفض الناس من حولهم بعد اكتشاف خواء أفكارهم وتلونهم مع كل العصور فمنهم الشتام ومنهم الزاعق ومنهم المنافق الذي يضر بالدولة أكثر مما ينفعها!