قال خبراء اقتصاديون إن خفض عدد من البنوك العالمية توقعاتها لأسعار الذهب خلال الأشهر الأخيرة لا يعني انتهاء الاتجاه الصاعد للمعدن النفيس، بل يعكس إعادة تقييم لمسار الأسعار على المدى القصير في ظل تشدد السياسة النقدية الأمريكية، وتحول جزء من السيولة نحو الأسهم والسندات، مع استمرار عمليات جني الأرباح بعد موجة صعود تاريخية.
وأوضحوا لـ”مصراوي” أن الأساسيات الداعمة للذهب لا تزال قائمة، وفي مقدمتها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، وحالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، مرجحين استمرار التذبذب خلال الفترة المقبلة قبل استئناف الاتجاه الصاعد على المدى الطويل.
ويأتي ذلك بعدما خفض بنك جي بي مورجان توقعاته لسعر الذهب، متوقعًا أن يبلغ متوسط سعر الأوقية نحو 4300 دولار خلال الربع الثالث من العام، قبل أن يرتفع إلى 4500 دولار في الربع الأخير، بعدما كان يتوقع في يونيو الماضي وصول المعدن إلى 6000 دولار بنهاية العام، مع الإبقاء على نظرته الإيجابية للذهب على المدى الطويل.
كما خفضت مؤسسات مالية عالمية أخرى، من بينها دويتشه بنك وجولدمان ساكس وبنك أوف أمريكا، مستهدفاتها لأسعار الذهب في ظل استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة وتراجع الطلب الاستثماري على المعدن النفيس.
وفي المقابل، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من الذهب، بعدما سجلت مشتريات صافية بلغت 41 طنًا خلال مايو، تصدرتها بولندا بإضافة 18 طنًا تلتها الصين بنحو 10 أطنان.
وكانت أسعار الذهب قد سجلت مستويات تاريخية قرب 5600 دولار للأوقية بنهاية يناير الماضي قبل أن تبدأ موجة هبوط مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وسط ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على الدولار.
ومع التوصل إلى تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران واصل المعدن النفيس تراجعه متأثرًا باستمرار الضغوط التضخمية عالميًا وتزايد التوقعات بإبقاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على سياسته النقدية المتشددة مع احتمالات رفع أسعار الفائدة.
وخلال الأسبوع الماضي هبط الذهب إلى ما دون 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ عدة أشهر قبل أن يعوض جزءًا من خسائره مع نهاية الأسبوع ليعود ويتجاوز مستوى 4100 دولار للأوقية.
اقرأ أيضًا:.
مصير الذهب في نهاية 2026.. بنوك عالمية ترسم صورة كابوسية.
أزمة السيولة وراء التراجعات
قال الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي إن التراجعات الأخيرة في أسعار الذهب ترجع بالأساس إلى أزمة السيولة العالمية وتحول جزء كبير من الاستثمارات إلى الأسهم والسندات مشيرًا إلى أن ما يحدث يمثل حركة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود تاريخية وليس بداية لانهيار المعدن النفيس.
وأوضح أن المستثمرين في أوقات نقص السيولة يفضلون الاحتفاظ بالنقد أولًا قبل اللجوء إلى الملاذات الآمنة وهو ما دفع صناديق الاستثمار العالمية إلى تقليص استثماراتها في الذهب وزيادة توجهها نحو الأسهم والسندات.
وأشار معطي إلى أن بيانات التدفقات الاستثمارية أظهرت خروج نحو 1.85 مليار دولار من صناديق الذهب للأسبوع السابع على التوالي مقابل تدفقات قوية إلى صناديق التكنولوجيا والرعاية الصحية والسندات الأمريكية وهو ما شكل العامل الرئيسي وراء الضغوط التي تعرض لها الذهب خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف أن البنوك المركزية تسير في الاتجاه المعاكس إذ تواصل زيادة مشترياتها من الذهب لافتًا إلى استمرار الصين في شراء المعدن النفيس للشهر التاسع عشر على التوالي بالإضافة إلى زيادة مشتريات بولندا فيما ارتفعت حصة الذهب في احتياطيات البنك المركزي الأوروبي.
وأوضح أن التراجع الحالي لا يعكس ضعفًا في الطلب الحقيقي على الذهب وإنما يرتبط بخروج السيولة من صناديق الاستثمار بينما تستغل البنوك المركزية انخفاض الأسعار لزيادة احتياطياتها على عكس المستثمرين الأفراد وصناديق الاستثمار التي تعتمد بصورة أكبر على المضاربة.
ولفت معطي إلى أن بعض الدول اتخذت إجراءات للحد من المضاربات على الذهب مثل تقليص التداول عبر البنوك في الصين وتشديد متطلبات الهامش في بعض البورصات الأمريكية وهو ما ساهم في تهدئة وتيرة الارتفاعات.
وأشار إلى أن الذهب لم يصل بعد إلى نقطة التوازن التي يبدأ منها موجة صعود جديدة متوقعًا استمرار التحركات التصحيحية قبل استعادة الاتجاه الصاعد.
وأشار إلى أن المعدن لا يزال يحتفظ بأساسياته الاستثمارية القوية موضحًا أن الذهب حقق مكاسب تجاوزت 60% خلال الفترة الماضية ما يجعل التراجع الحالي الذي يتراوح بين 25% و30% تصحيحًا طبيعيًا بعد صعود قوي.
وأضاف أن الاتجاه طويل الأجل لا يزال إيجابيًا مدعومًا باستمرار مشتريات البنوك المركزية بالإضافة إلى توقعات تحول السياسة النقدية الأمريكية تدريجيًا نحو التيسير مع تراجع الضغوط التضخمية.
وتوقع معطي أن تحقق المعادن الأخرى مثل الفضة والبلاديوم مكاسب خلال الفترة المقبلة لكنها ستكون بوتيرة أبطأ من الذهب لاعتمادها بصورة أكبر على الطلب الصناعي مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة والصين لا ترغبان في ارتفاع أسعار المعادن الصناعية بشكل كبير لما لذلك من تأثير على تكاليف الإنتاج ومعدلات النمو.
اقرأ أيضًا:.
بعد موجة التراجع الأخيرة.. هل يواصل الذهب الهبوط؟ خبراء يجيبون.
خفض التوقعات لا يعني انتهاء الاتجاه الصاعد
وقال الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي إن خفض عدد من البنوك العالمية وعلى رأسها جي بي مورجان وسيتي جروب لتوقعاتها بشأن أسعار الذهب لا يعني انتهاء الاتجاه الصاعد للمعدن الأصفر وإنما يعكس إعادة تقييم لمسار الأسعار على المدى القصير في ظل المتغيرات الحالية.
وأوضح أن البنوك التي كانت تتوقع وصول الذهب إلى مستويات تتجاوز 6000 دولار للأوقية خفضت تقديراتها إلى نحو 4500 دولار بنهاية العام بينما توقعت مؤسسات أخرى بلوغ الأسعار نحو 4300 دولار خلال الربع الثالث قبل أن ترتفع مجددًا وهو ما يشير إلى استمرار حالة التذبذب وليس تغير الاتجاه طويل الأجل.
وأضاف النحاس أن الذهب يتحرك حاليًا في نطاق عرضي يدور حول مستوى 4000 دولار للأوقية بزيادة أو انخفاض يقترب من 5% معتبرًا أن هذه الحركة طبيعية في ظل عمليات جني الأرباح والمضاربات التي تشهدها الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن خفض التوقعات لا يرتبط بزوال العوامل الداعمة للذهب موضحًا أن المخاطر العالمية وارتفاع مستويات الدين واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي لا تزال عوامل تدعم الاحتفاظ بالمعدن النفيس كأداة للتحوط.
وأوضح النحاس أن التراجعات الحالية لا تمثل إشارة للخروج من الذهب وإنما تعد فرصة لإعادة الشراء عند الانخفاضات مشددًا على ضرورة ألا ينجرف المستثمرون وراء التوقعات قصيرة الأجل أو تحركات المضاربة اليومية.
وأضاف النحاس إن الأسواق العالمية تشهد تذبذباً حاداً نتيجة تغير التوقعات بشأن التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية بالإضافة لتحركات المستثمرين بين الذهب والسندات وهو ما ينعكس على الأسعار في الأجل القصير دون تغيير النظرة الإيجابية للذهب على المدى الطويل.
وقال النحاس إن الذهب سيظل أحد أهم الأصول الآمنة للتحوط خاصةً في ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمية داعيًا المستثمرين للتركيز على الاستثمار طويل الأجل وعدم اتخاذ قرارات البيع تحت تأثير التقلبات المؤقتة مضيفًا إن الاستراتيجية الأفضل هي الشراء عند الهبوط وليس البيع.

