قال الإعلامي نوح غالي، إنه في تاريخ الفن العربي، لمعت أسماء العديد من النجوم الذين نالوا شهرة واسعة، وتعلقت بهم قلوب الجماهير لسنوات. لكن القلة النادرة هم أولئك الذين تجاوزوا مفهوم المطرب التقليدي ليصبحوا ظاهرة إنسانية وفنية، وجزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية للشعوب. موضحًا أنه حتى يومنا هذا، إذا سألت من تجاوز الخمسين من عمره عن الصوت الذي يختزل زمن الرومانسية، سيجيبك بلا تردد: عبد الحليم حافظ.

وأوضح غالي خلال برنامج “تفاصيل الحكاية” المذاع على قناة “الشمس”، أنه إذا سألت شابًا في العشرين من عمره، ستجده يردد مقطعًا من أغانيه بيسر مدهش. مؤكدًا أن هذا الحضور العابر للأجيال يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف لمطرب غيبه الموت منذ عقود أن يظل صوته حيًا ونابضًا في قلوب جيل لم يعاصره؟ هل السر في حلاوة صوته، أم في صدق إحساسه، أم في ذكائه الفني، أم لأن حياته نفسها كانت دراما إنسانية تفوق الخيال؟.

اليُتم المبكر.. مأساة طفل قرية الحلوات.

وأشار إلى أن قصة عبد الحليم حافظ تبدأ قبل أن يعرفه الملايين باسم العندليب الأسمر؛ إذ وُلد كطفل بسيط في كنف أسرة رقيقة الحال بقرية “الحلوات” التابعة لمركز الإبراهيمية بمحافظة الشرقية، في 21 يونيو عام 1929. وكانت مصر حينها تعيش إيقاعًا مغايرًا؛ فلا تلفزيون ولا إنترنت، والراديو لم يكن قد دخل بعد معظم البيوت. وفي تلك البيئة الريفية البسيطة، استقبلت الدنيا الطفل الصغير بقسوة بالغة؛ حيث فقد والدته بعد أيام قليلة من ولادته، ليتجرع مرارة اليتم الكامل قبل أن يكمل عامه الأول.

انتقل عبد الحليم للعيش مع خاله الذي تولى تربيته برفقة أشقائه الأربعة. وكبر الطفل وفي داخله شعور دائم بالفقد والحاجة إلى الأمان والحنان. وهو ما فسر لاحقًا شدة حساسيته وتأثره السريع بالحب والحزن على حد سواء. وسط هذا الفقر واليتم، كان هناك خيط رفيع يربطه بالحياة وهو شغفه بالموسيقى. وكان عبد الحليم يلاحق أصوات المنشدين في الموالد ويتأمل التلاوات في المساجد.

​العدو الخفي.. معركة “البلهارسيا” التي صنعت وجدان العندليب.

وأوضح أنه في ثلاثينيات القرن الماضي كان هناك عدو خفي يستوطن الريف المصري ويفتك بصحة أطفاله وفلاحيه دون وعي بخطورته؛ إنه مرض “البلهارسيا”. وقد تسلل المرض إلى جسد الطفل عبد الحليم أثناء لعبه مع أقرانه. ومع مرور السنين بدأت المضاعفات تنهش كبده وتستنزف طاقته، لتبدأ رحلة لا تنتهي بين المستشفيات والجراحات.

أكد غالي أن الألم المزمن صقل شخصية عبد الحليم وعجل بنضجه؛ فقد كان يغني بإحساس من يخشى أن تكون أغنيته الحالية هي الأخيرة. ورغم نصائح الأطباء بالراحة، كان يرفض التراجع مؤمنًا بأن التزامه تجاه جمهوره أهم من آلامه الجسدية.

​الرهان الصعب.. من عازف “أوبو” إلى حلم الإذاعة.

بعد تخرج عبد الحليم حافظ من المعهد العالي للموسيقى العربية، واجه صعوبة في فتح الأبواب أمامه وبدأ حياته المهنية عازفًا لآلة “الأوبو”. ثم عمل مدرسًا للموسيقى بوزارة المعارف متنقلًا بين عدة محافظات. لكن طموحه كان أبعد من جدران الفصول الدراسية؛ فكان يحلم بميكروفون الإذاعة.

تقدم عبد الحليم لاختبارات الإذاعة المصرية الصعبة أمام لجنة تضم كبار الموسيقيين ونجح فيها. وفي البداية لم يحظَ صوته بالاهتمام المطلوب وكانت أغانيه الأولى تمر دون صدى يذكر حتى نصحه المذيع الكبير حافظ عبد الوهاب بتغيير اسمه الطويل إلى عبد الحليم حافظ تقديرًا له.

“صافيني مرة”.. الأغنية التي هزمت الرفض لتصنع التاريخ.

أدرك عبد الحليم سريعًا أنه لن ينجح إذا سار على نهج الأنماط الغنائية السائدة؛ فلا بد له من لون فني يمثله ويمثل جيله. جاء اللقاء التاريخي بالموسيقار محمد عبد الوهاب الذي رأى فيه مشروعًا لمدرسة غنائية جديدة تعتمد على الإحساس والصدق. وفي عام 1953 تُرجم هذا التعاون إلى أغنية “صافيني مرة” التي حملت قالبًا موسيقيًا متطورًا ورومانسية هادئة تخالف الطرب التقليدي السائد آنذاك.

المفاجأة كانت فشل الأغنية عند أول عرض جماهيري لها حيث قوبل هذا اللون الجديد برفض واستهجان الجمهور المعتاد على الأشكال الغنائية القديمة. لكن عبد الحليم لم ييأس وعاد إلى منزله حزينًا لكنه لم يستسلم ومع تكرار إذاعة الأغنية عبر الراديو وانتشار أسطواناتها بدأت تتسلل إلى قلوب الشباب وتلامس مشاعرهم.

​صوت الوطن وثورة يوليو.

لم تكن أغنية “صافيني مرة” سوى نقطة الانطلاق في مسيرة حافلة تشكلت فيها منظومة فنية متكاملة أحاطت بالعندليب من كبار الشعراء والملحنين. ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952 كانت مصر تبحث عن وجه جديد وصوت شاب يعبر عن آمالها وتطلعاتها؛ فكان عبد الحليم هو الصوت الذي اختاره القدر ليكون المتحدث الرسمي باسم أحلام جيل كامل وصوت وطن ينهض من جديد.