كيف يعيد النظام إنتاج النخبة؟
يحتاج الشعب الفلسطيني اليوم إلى إنسانية سياسية تعترف بوجود البشر كأحياء تحت الركام، وليس مجرد أرقام تُدار. لم تكشف حرب غزة في أكتوبر 2023 عن حجم الكارثة الإنسانية فحسب، بل كشفت أيضًا عن هشاشة البنية السياسية التي يُفترض أن تحمل القضية الفلسطينية في واحدة من أكثر لحظاتها مصيرية.
في غزة، تجاوز الدمار كونه مجرد أرقام في سجل الحرب ليؤثر على شروط الحياة نفسها: البيوت، المستشفيات، المدارس، وشبكات المياه والكهرباء. يُطرح السؤال من زاوية أكثر قسوة: كيف يمكن لمجتمع أن يعيد بناء حياته بينما لا يزال مستقبل السلطة التي ستدير هذا البناء موضع نزاع؟
أما في الضفة الغربية، فتتجلى الكارثة بصورة مختلفة. هناك استيطان يتسع وعنف يتصاعد واقتحامات مستمرة، مما يؤدي إلى تآكل تدريجي في المجال السياسي الفلسطيني. بينما تتغير الوقائع على الأرض بسرعة، يبدو أن النظام السياسي الفلسطيني عالق في زمن آخر؛ زمن الفصائل والشرعيات التاريخية.
لذا، لا يكفي أن نسأل: ماذا يستطيع الفلسطينيون أن يفعلوا؟ ينبغي أن يسبق ذلك سؤال أكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يفعل؟ وبأي بنية سياسية؟ وبأي شرعية؟ إذا كانت الأزمات تتكرر رغم تغير الأشخاص والظروف، يصبح من الصعب تفسيرها بأخطاء الأفراد وحدها. عندها ينتقل السؤال مِن: مَن يحكم؟ إلى سؤال أعمق: كيف يُنتج النظام مَن يحكم؟
التفاهة كآلية لا كصفة
هذه الحالة الفلسطينية لا تستدعي فقط فكرة ألان دونو عن نظام التفاهة، بل تمنحها أهمية خاصة في قراءة آليات إنتاج النخبة. لا يتحدث دونو عن مجتمع يحكمه الأغبياء ولا يستخدم التفاهة كحكم أخلاقي على الأفراد.
ما يعنيه هو تحول التفاهة إلى آلية داخل النظام نفسه؛ آلية تجعل الشخص الأكثر قدرة على التكيّف مع القواعد القائمة أكثر قابلية للصعود من الشخص الأكثر كفاءة أو إبداعًا.
لا يحتاج الأمر إلى إقصاء المبدع مباشرة؛ يكفي أن يصبح الامتثال أكثر أمانًا من المبادرة والتوافق أكثر نفعًا من السؤال والمحافظة على القواعد أكثر قيمة من القدرة على إعادة التفكير فيها. عندها لا يعود السؤال: مَن يستطيع أن يغيّر؟ بل: من يستطيع أن يعمل دون أن يربك النظام؟
من هذه الزاوية يمكن توظيف مفهوم دونو في قراءة جانب من التجربة الفلسطينية. فإذا كانت البنية السياسية تكافئ الانتماء والولاء والقدرة على التكيّف أكثر مما تكافئ الكفاءة والاستقلال الفكري، فإنها تنتج نوعًا معينًا من النخبة مع مرور الوقت. وهكذا يُنتج النظام النخبة، ثم تصبح النخبة حارسة للقواعد التي أنتجتها، وهنا تكمن الحلقة الأخطر.
إعادة إنتاج الامتثال
لكن ما الذي يجعل هذه الحلقة قابلة للاستمرار؟ الواحديّة أحد مفاتيح الإجابة. فهي تعني الاعتقاد بامتلاك الحقيقة وحق تعريفها أيضًا. وحين يتحول التنظيم أو الفصيل إلى مرجعية تحدد معنى الوطنية والصواب والخطأ، يصبح الخلاف أكثر من اختلاف في الرأي؛ يتحول إلى اختبار للولاء.
بهذا المعنى تتقاطع الواحديّة مع نظام التفاهة رغم اختلافهما. فالواحديّة تُضيّق مجال الاختلاف باسم الحقيقة بينما يُضيّقه نظام التفاهة باسم استقرار المنظومة. الأولى تنظر إلى المختلِف باعتباره خارجًا عن الحقيقة والثاني يراه عنصرًا يصعب دمجه في قواعد العمل.
قد يكون شيء من هذا المنطق مفهومًا في لحظة المقاومة حيث تحتاج المواجهة إلى الانضباط ووحدة القرار وتقديم الجماعة على الفرد. لكن ما يصلح لإدارة لحظة صراع ليس بالضرورة صالحًا لإدارة مجتمع. تبدأ المشكلة حين تستمر قواعد مرحلة التحرر بعد تغيّر الظروف وتتحول الضرورة المؤقتة إلى بنية سياسية دائمة.
شرعية التضحية.. ليست شرعية الحكم
تتجلى هنا مسألة شرعية التضحية؛ إذ لا يمكن إنكار أنّ الفصائل الفلسطينية نجحت بدرجات متفاوتة في إنتاج شرعية نضالية حقيقية حملت عبء المقاومة وقدمّت تضحيات وحافظت على حضور القضية في الذاكرة والوعي العام. لكن شرعية التضحية شيء والقدرة على بناء عقد اجتماعي شيء آخر؛ فالتضحية تمنح صاحبها مكانة في الذاكرة الوطنية لكنها لا تمنحه حقًا أبديًا في إدارة الحاضر.
وهنا تبرز الفجوة بين شرعية الفصيل وشرعية المجتمع؛ فقد استطاعت الفصائل إنتاج أشكال من التعبئة والتمثيل لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذه الشرعية إلى عقد اجتماعي جامع يحدد العلاقة بين المجتمع والقوى السياسية على أساس المواطنة والمشاركة والمساءلة وتداول المسؤولية.
وعليه يعود نظام التفاهة من زاوية أكثر دقة
حين يصبح الولاء أكثر أمانًا من الكفاءة المستقلة والتوافق أكثر قيمة من السؤال والقدرة على المحافظة على التوازنات التنظيمية أهم من القدرة على تغييرها تبدأ المؤسسة بإنتاج النخبة التي تناسب بنيتها وليس النخبة التي يحتاج إليها المجتمع.
وقد لا يكون أفراد هذه النخبة تافهين بالمعنى الشخصي وهذا نقطة جوهرية؛ فالمفهوم لا يدين الأشخاص وإنما يكشف الآلية التي تجعل بعض الصفات أكثر مكافأة داخل النظام مقارنةً بأخرى.

