جهاد عبد المنعم.

السبت 20/يونيو/2026 – 05:19 م
6/20/2026 5:19:13 PM

ما يحدث اليوم  من جدل واسع النطاق في الأوساط التعليمية والاعلامية حول رسوب عدد كبير من طلاب المدارس الدولية في اللغة العربية والتربية الدينية  لا يعكس مجرد  مجرد أزمة امتحانات ولا مجرد حالة غضب من أولياء أمور فوجئوا برسوب أبنائهم في اللغة العربية أو الدراسات الاجتماعية أو التربية الدينية  بل هو جرس إنذار يجب أن تتوقف أمامه الدولة والمجتمع والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية جميعا 
نحن لا نتحدث عن درجات ضاعت  ولا عن مادة صعبة أو امتحان اختلف الطلاب حوله ورسب بعضهم بل نتحدث عن قضية تمس الأمن الثقافي والفكري للأمة المصرية  وتتعلق بالسؤال الأخطر ماذا سيحدث لو نشأ جيل كامل لا يعرف لغته جيدا ولا يقرأ تاريخه ولا يدرك قيمة وطنه  ولا يفهم جذوره الحضارية؟
إن الكارثة الحقيقية ليست في رسوب بعض الطلاب في الامتحانات  وإنما في سقوط فكرة الانتماء نفسها لدى بعض المؤسسات التعليمية التي تعاملت مع مواد الهوية الوطنية باعتبارها عبئا  زائدا أو مواد ثانوية هامشية لا تستحق الاهتمام
وللأسف فإن سنوات طويلة من الإهمال صنعت أزمة صامتة كانت تتضخم يوما بعد يوم خلف أسوار المدارس الدولية فبينما كانت كل الجهود تتواصل لتعليم الطلاب اللغات الأجنبية وإتقان المناهج الدولية كانت اللغة العربية تتراجع إلى المقاعد الخلفية  وكان التاريخ المصري يتم اختزاله في صفحات قليلة  وكانت التربية الدينية في هذه المدارس مادة لا قيمة لها.
وهنا تكمن الكارثة  عندما يصبح المواطن قادرا على التحدث بلغات العالم كلها لكنه عاجز عن كتابة فقرة سليمة بلغته الأم أو فهم تاريخ بلاده أو استيعاب خصوصية مجتمعه.
والأخطر من ذلك أن بعض الأصوات التي ارتفعت عقب ظهور النتائج انطلقت من منطق خاطئ تماما  وكأن المشكلة ليست في ضعف تدريس هذه المواد أو إهمالها وإنما في وجودها من الأساس وكأن الحل هو إلغاء الامتحانات أو التراجع عن القرار أو منح استثناءات واسعة تفرغ القضية كلها من مضمونها.

وهنا يجب أن نقف بحسم شدييد لأن الدولة التي تتراجع عن حماية هويتها تحت ضغط الغضب الآني تفتح الباب أمام فوضى تعليمية لا نهاية لها وإذا أصبحت اللغة العربية والتاريخ والدين مواد يمكن الاستغناء عنها عند أول أزمة  فما الذي سيبقى من الشخصية الوطنية بعد سنوات؟
إن المدرسة الدولية ليست جزيرة معزولة عن الوطن وليست دولة داخل الدولة وليست مؤسسة تعمل خارج الإطار الثقافي والحضاري للمجتمع المصري ومن حق أي مدرسة أن تطبق المناهج التي تراها مناسبة وأن تقدم أعلى مستويات التعليم العالمي، لكن ليس من حقها أن تخرج أجيالا منفصلة عن بيئتها ومجتمعها وهويتها الوطنية.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول الكبرى التي تتصدر المشهد العلمي والتكنولوجي هي نفسها الأكثر تمسكا بلغاتها وثقافاتها وتاريخها و لم تتخلى فرنسا عن الفرنسية ولم تتخلى ألمانيا عن الألمانية  ولم تتخلى اليابان عن لغتها وهويتها من أجل الانفتاح على العالم بل على العكس تماما جعلت من هويتها الوطنية اساسا لكل تقدم وانطلاق.
أما هنا  فالبعض يريد أن يصور الالتزام باللغة العربية وكأنه عقبة أمام الحداثة  أو أن دراسة التاريخ الوطني تتعارض مع التعليم الدولي  وهي مغالطة خطيرة لا تصمد أمام أبسط حقائق الواقع.
إن الطالب المصري يستطيع أن يكون مواطنا عالميا  ناجحا  وان يتحدث أكثر من لغة  وأن يدرس أحدث المناهج الدولية لكن بشرط ألا يفقد بوصلته الوطنية  وألا يتحول إلى شخص يعرف كل شيء عن العالم، ولا يعرف شيئا عن وطنه.

ومن هنا فإن قرار وزارة التربية والتعليم في جوهره ليس قرارا تعليميا فقط بل قرار يتعلق بحماية الهوية الوطنية المصرية وربما تكون هناك أخطاء في التطبيق وربما تحتاج الامتحانات إلى مراجعة، وربما تكون بعض المدارس قد قصرت في إعداد الطلاب لكن كل ذلك لا يبرر التراجع عن المبدأ نفسه.
المطلوب اليوم ليس الانحناء أمام الضغوط مهما كانت وإنما مواجهة الحقيقة بشجاعة  يجب محاسبة المدارس التي أهملت مواد الهوية ويجب تدريب المعلمين وتأهيلهم، ويجب توفير الدعم الأكاديمي للطلاب، ويجب فتح أبواب التظلمات والمراجعات بكل شفافية وعدالة  لكن لا يجوز أبدا أن يتحول التقصير الإداري أو التعليمي إلى مبرر لإسقاط قيمة اللغة العربية أو التاريخ أو التربية الدينية.
إننا أمام معركة حقيقية، ليست بين الوزارة وأولياء الأمور وليست بين المدارس الدولية والحكومة  وإنما بين مشروع يحافظ على الشخصية المصرية ومشروع آخر قد يؤدي بمرور الوقت إلى ذوبان هذه الشخصية داخل نماذج تعليمية لا تعطي للهوية الوطنية ما تستحقه من اهتمام.
ولهذا فإن ناقوس الخطر يدق اليوم بقوة 
ويجب الانتباه.