جاءت مدوَّنة العُمْران النفسي التي افتتحناها في المقال السابق ضمن أبعاد الحكمة الفلسفية لدى المتنبي متعددة الجوانب وثرية المعطيات، مما لا يمكن معه الإحاطة بها إلا في أجزاء نبدأها بعلاجه الفذ، وهي ظاهرة نفسية تفشَّت بصورة وَرَمٍ سرطاني من خلال عالم وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ظاهرة الجهل المتعاقل.

تُعتبر هذه الظاهرة مَرَضية نفسية تشخِّص نمطًا إنسانيًا بالغ الخطورة اجتماعيًا وثقافيًا، حيث تثير فـِتَنٍ وتبث جهالات معرفية؛ لأنها تجمع بين الجهل المطبِق المُركَّب من انتفاء العلم والجهالة الأخلاقية على حد سواء، إلى جانب تشبُّعها بموانع العلم ومضاداته المتمثلة في وَهْم المعرفة وتوهُّم الفَهم.

فالجاهل المتعاقل لا يجهل الحقائق وأصول المعارف والعلوم فحسب، بل يرفض أن يتعلمها أو يفهمها أو يقبل النصح فيها. يتعامل مع كل نصيحة وكأنها انتقاص من وَهْم المعرفة وتوهم الفهم المستقر لديه.

هذا اللون من الجهل المُرَكَّب المُسْتَحْكم يجعل الحوار معه مرهقًا دون جدوى، إذ يمنح الحوار ذلك الجاهل شعورًا زائفًا بقيمته وقيمة الزيف الذي يتقيؤه. كما يمنحه شعورًا زائفًا آخر بأن مرتبة العلم والمعرفة والعقلانية قد باتت قريبة المنال من إدراكها.

المشكلة هنا ليست فقط في غياب الحقائق عنه نتيجة نقص المعلومات وأصول المعارف والعلوم وقواعد المنطق والبرهان، بل أيضًا في استغلاق النفس والعقل أمام إدراك أو قبول شيء من ذلك بسبب وَهْم المعرفة وتَوَهُّم العقلانية المستحوذ عليه.

هذا الخلل يعمل عميد عمداء الإعلام الدكتور حسن علي على وضع خارطة استقصائية لأصناف وتوجهات المَرْضَى ضحايا ذلك الداء العضال. ومن جانبنا نطمح إلى أن تتبنى الدولة مشروعًا قوميًا لعلاج ظاهرة الجاهل المتعاقل كما نجحت في علاج فيروس سي؛ لأن خطورة فيروس الجاهل المتعاقل أشد وأنكى على العقل والنفس والجسد والوطن معًا.

التشخيص الآنف لحالة الجاهل المتعاقل المَرَضية يتوافق مع الهدي القرآني الذي يتماهى المتنبي معه. تُعد حكمة المتنبي امتدادا للرؤية القرآنية للإنسان وتكوينه النفسي والروحي ومنهجية بناء الإنسان السوي السالم من الآفات النفسية. يشير القرآن في هذا الشأن بقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).

العائق هنا ليس غياب الدليل، وإنما استعلاء النفس الذي يمنعها من قبول الحق ويجعلها تتخذ من الهوى حجابًا يحول بينها وبين الرؤية الصحيحة. كما يجعلها تهرب من الاعتراف بالحقيقة وتلجأ إلى صناعة الأعذار كما قال تعالى: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ).

فوَهْم المعرفة وتَوَهُّم الفَهْم يترتب عليه الجانب الثاني الكارثي في شخصية الجاهل المتعاقل ألا وهو التعالم وإدعاء امتلاك أدوات العلم والمعرفة ومنهجية التفكير. يبدأ بعد ذلك بالتقيؤ ببعض المنتحَلَات شبيهة (رغاوي الصابون) في متواليات من الانتفاخ والانفثاء عديمة المذاق، غير مُنتهية إلى حُجَّة قابلة للمعاينة والفحص والتمحيص، وإن طُرحت عليها ألوان التزاويق والتلاوين والتلاعب الساذج بالكلمات ما قد يُوهِم الأغرار بأنها تَمُتُّ إلى العلم والتحليل بماتَّةٍ وماهي بذاك على حد عبارة شيخ العربية الكبير الدكتور سعد مصلوح.

القرآن الكريم قد ضرب أمثلة عديدة لهذا النوع من السلوك مثل قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ). وكذلك قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأفواهكم مَا لَيْس لَّكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَعْتَبَرُونَه هَيِّنًا وَهُو عِنَد اللَّه عظيمٌ).

كما أرشد القرآن الكريم إلى طريق الإعراض سبيلاً للتعاطي مع آفة الجاهل المتعاقل في أكثر من موضع مثل قوله: (وَعِبَد الرَّحْمَن الَّذِينَ يَمشُون عَلَى الْأَرْض هَوًنا وَإذَا خاطَبَهُم الْجاهِلُون قَالُوا سَلَمًا). وأيضاً قوله: (وإذَا سَمَعُوا اللغو أَعرضوا عَنْه وقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَقُمْ أَعْمَالكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبغِي الْجاهِلِينَ).

وأمر القرآن الكريم بالإعراض عن الجاهل المتعاقل: (وإن تَدعوهم إِلَى الهدي لا يسمعون ۖ وترى هم ينظرون إِلَيْكَ وهم لا يبصرون خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين).

من هنا كانت عبقرية المتنبي؛ إذ أدرك أن علاج هذا الصنف لا يكون بالجدل العقيم وإنما بعدم استنزاف الجهد فيما لا ثمرة منه. قرر قاعدته المبدئية في علاج الجاهل المتعاقل بالتغافل التام عنه قائلاً:
أَنَا مِلءَ جفوني عَن شَواردها
ويسهَر الخلق جَرّاها ويختصم
وجاهلٍ مَدَّه فِي جهلٍ ضحكي
حتى أتته يدٌ فَرّاسة وفم.

ثم ينتقل المتنبي إلى مرحلة علاجية أخرى تزداد فيها الحدة المَرَضية لدى الجاهل المتعاقل الذي يتباهى بما يتقيؤه من وهْم المعرفة وتوهّم الفهم. يُعلن -في سفور عدائي- تحديه لهم مُطالباً إياهم بمحاورته ومناقشته والرد عليه.

في هذه المرحلة العلاجية يرى المتنبي أن التغافل السلبي البسيط لن يجدي لأن الجاهل لن يستشعر أو يتفهم بعد أن أقدم على طلب الحوار والرد. العلاج هنا يكون بالإعراض العقابي؛ أي بالاستقبال الواضح والملموس لطلب الحوار المُعلن ثم الإعراض الإيجابي الظاهر عنه عقاباً له بما يسبب له التعب النفسي والغضب والهياج نتيجة إحساس الدونية التي ستشعره بعمق تفاهته وضآلة قيمته الحقيقية.

يقول  المتنبي الحكيم النفساني:.

لساني بنطقي صامت عنه عادلاً
وقلبي بصمتي ضاحك منه هازلاً
وأتعَب مَنْ ناداك مَنْ لا تُجيبُه
وأغيظ مَنْ عاداك مَن لا تُشاكِل
.

ما التيه طَبّي فيهُم غير أنّني
بغيض إليّ الجاهِل المُتعاقِل
.












 

  1. جعل العلم تكليفاً واجباً وليس تشريفاً.
  2. التأكيد على أن تجاهل السفه والخصومة أبلغ من الاسترسال في معارك لا ينتصر فيها العقل لأن الطرف الآخر لا يبحث عن الحقيقة وإنما عن الانتصار لوهم المعرفة وتوهم الفهم.
  3. بيان أن سلاح الإعراض عن الجاهل المتعاقل قوة في إدارة الصراع وليس ضعفاً؛ وحكمته تكمن في قدرته اللامحدودة على إحداث التأثير العقابي المؤلم في نفس الجاهل.
  4. <liلم يكتف بوصف السلوك المرضي بل نفذ إلى الدوافع النفسية الكامنة وراءه، فجعل من الشعر وسيلة لفهم الإنسان وإصلاحه، وهي الوظيفة نفسها التي سيؤديها الأدب النفسي في العصور الحديثة وإن اختلفت الوسائل والأساليب.