تسبب تراجع أسعار الدواجن خلال الفترة الماضية في خسائر كبيرة للمربين، حيث تراوحت الخسائر بين 35 و40 جنيهاً للدجاجة الواحدة، مما يهدد بخروج العديد من المربين من منظومة الإنتاج، وبالتالي نقص المعروض وارتفاع الأسعار مجدداً.
أكد الدكتور مصطفى خليل، مستشار مشروعات الإنتاج الحيواني بوزارة الزراعة، أن الدولة المصرية تمتلك جميع المقومات اللازمة لإحداث تحول جذري في قطاع الدواجن، بحيث ينتقل من إدارة الأزمات وسد الفجوات إلى مرحلة التصنيع الزراعي وتعظيم القيمة المضافة وفتح أسواق تصديرية جديدة. وأشار إلى أن هذا القطاع يعد أحد أهم ركائز الأمن الغذائي القومي، إلا أن الاستفادة من إمكاناته لا تزال أقل بكثير من قدراته الحقيقية.
وأوضح “خليل” أن مصر تمتلك قاعدة إنتاجية ضخمة يمكن البناء عليها لتحقيق طفرة اقتصادية كبيرة، حيث يبلغ حجم الإنتاج السنوي نحو 1.6 مليار دجاجة تسمين، مما يحقق معدلات اكتفاء ذاتي تقترب من 100%، فضلاً عن إنتاج ما يقرب من 16 مليار بيضة مائدة سنوياً. ويعكس هذا الحجم قوة القطاع وقدرته على تلبية احتياجات السوق المحلية وتحقيق فوائض إنتاجية خلال العديد من المواسم.
وأضاف أن هذا الإنتاج الضخم يمثل فرصة استثمارية غير مستغلة بشكل كافٍ، موضحاً أن السوق لا يزال يعتمد بشكل كبير على تداول الطيور الحية والبيض الطازج، مما يجعل المنتجين عرضة لخسائر كبيرة عند حدوث أي تراجع في الطلب أو اضطرابات بالسوق. وأكد أن الحل الحقيقي يكمن في التوسع في التصنيع الزراعي لاستيعاب الفوائض وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة تحقق عائداً اقتصادياً أعلى وتفتح آفاق جديدة للتصدير.
وأشار إلى أن أولى محاور الإصلاح يجب أن تبدأ بتأمين مدخلات الإنتاج وخفض تكلفة الأعلاف التي تمثل العنصر الأكبر في تكلفة الإنتاج. كما لفت إلى أهمية تطبيق منظومة الزراعة التعاقدية بصورة أكثر فاعلية من خلال تفعيل عقود ملزمة لزراعة الذرة الصفراء وفول الصويا محلياً، مع إعلان سعر ضمان مجزٍ قبل موسم الزراعة بوقت كافٍ لتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة هذه المحاصيل الاستراتيجية وربطهم بمصانع الأعلاف عبر البنك الزراعي المصري لضمان استقرار المنظومة بالكامل.
وشدد عضو لجنة الزراعة بحزب أحداث اليوم على ضرورة استمرار التنسيق بين وزارة الزراعة والبنك المركزي لضمان توافر التدفقات النقدية اللازمة لاستيراد خامات الأعلاف في التوقيتات المناسبة، مع تشديد الرقابة على الأسواق عبر منظومة رقمية لضمان وصول الأعلاف مباشرة إلى المربين، وخاصة صغار المنتجين بالسعر العادل، مما يمنع الاحتكار ويقضي على دور الوسطاء الذين يتسببون في زيادة تكاليف الإنتاج.
وأكد أن المحور الثاني يتمثل في تعظيم القيمة المضافة للإنتاج عبر إطلاق مشروع قومي لتجفيف البيض وتحويله إلى مسحوق البيض “بودرة البيض” سواء في صورة البيضة الكاملة أو بفصل البياض عن الصفار. وأوضح أن هذه الصناعة تعد واحدة من أهم الصناعات الغذائية عالمياً ويمكنها استيعاب الفائض الإنتاجي خلال مواسم الركود مما يحمي صغار المربين من الخسائر الناتجة عن انخفاض الأسعار.
وأضاف أن تصنيع البيض بهذه الطريقة سيسهم في توفير احتياجات مصانع الأغذية والمخبوزات والحلويات المحلية من بودرة البيض بدلاً من استيرادها، كما سيؤدي إلى إطالة فترة صلاحية المنتج من أسابيع إلى سنوات مما يسهل التخزين والنقل والتصدير ويحول الفائض الموسمي إلى مصدر دخل مستدام وعملة أجنبية.
وتابع بأن تطوير صناعة الدواجن لا يقتصر فقط على البيض بل يمتد أيضاً إلى التوسع في إنشاء المجازر الآلية الحديثة ومصانع اللحوم المصنعة ومنتجات الدواجن النصف مطهية. وأكد أنه أصبح ضرورياً التحول التدريجي والمنظم من تداول الطيور الحية إلى تداول الدواجن المذبوحة والمبردة والمجمدة لما يحققه ذلك من تقليل نسب الفاقد والهدر البيولوجي والحركي التي تصل حالياً نحو 15% فضلاً عن الحد من انتشار الأمراض الوبائية وتحسين جودة المنتج النهائي.
وأشار إلى أنه يتطلب نجاح هذه المنظومة التحرك بقوة نحو فتح أسواق تصديرية جديدة عبر التوسع في اعتماد المنشآت الداجنة المصرية كمناطق معزولة وخالية من إنفلونزا الطيور وفقاً للاشتراطات والمعايير الدولية. وهذا يمنح المنتجات المصرية فرصة أكبر لدخول الأسواق الخارجية خاصة منطقة الخليج والقارة الأفريقية.
وأوضح أن الأسواق الخليجية والأفريقية تمثل فرصاً واعدة لاستيعاب الفائض من منتجات الدواجن المصنعة ومسحوق البيض خاصة مع الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية بما يحول قطاع الدواجن إلى أحد المصادر الرئيسية لجذب العملة الأجنبية ودعم الاقتصاد الوطني.
وطالب الدكتور مصطفى خليل بطرح حزمة عاجلة من الحوافز الاستثمارية لتشجيع القطاع الخاص على الدخول بقوة في مشروعات التصنيع وفي مقدمتها منح الرخصة الذهبية للمشروعات الاستراتيجية وتخصيص أراضٍ بحق الانتفاع للشركات الراغبة في إنشاء مصانع تجفيف البيض والمجازر الآلية الحديثة ووحدات التصنيع الغذائي المرتبطة بقطاع الدواجن بما يسرع تنفيذ هذه المشروعات ويعظم الاستفادة من الإنتاج المحلي.
مؤكداً أن نجاح خطة تطوير قطاع الدواجن يتطلب وجود تنسيق مؤسسي كامل بين جميع الجهات المعنية مقترحاً تشكيل مجلس تنفيذي مشترك يضم وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي ووزارة التجارة والصناعة واتحاد منتجي الدواجن والبنك الزراعي المصري بهدف توحيد الجهود الخاصة بتوفير مستلزمات الإنتاج ووضع آليات واضحة لزيادة الصادرات وتذليل العقبات أمام المستثمرين بما يضمن تحقيق التكامل بين جميع حلقات المنظومة.
وأشار إلى الهيكل الإنتاجي الحالي لقطاع الدواجن ينقسم إلى فئتين رئيسيتين: الأولى تتمثل في الشركات الكبرى والعملاقة التي تمتلك الملاءة المالية والتكنولوجيا الحديثة والمجازر الآلية وهي الأكثر قدرة على قيادة مرحلة التصنيع الزراعي وإنتاج القيمة المضافة والتوسع في التصدير. بينما تمثل الفئة الثانية صغار المربين الذين يشكلون الكتلة الأكبر في الإنتاج لكنهم الأكثر تأثراً بالأزمات وتقلبات الأسعار وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.
وأوضح أن الحل لا يكمن في المنافسة بين الطرفين بل يجب تحقيق التكامل بينهما بحيث تتجه الشركات الكبرى بصورة أكبر نحو التصنيع الزراعي والتصدير بينما يركز صغار المربين على تلبية احتياجات السوق المحلية للدواجن الطازجة مع توفير الحماية الاقتصادية والفنية لهم بما يضمن استقرار الإنتاج واستمرار النشاط وتحقيق التوازن داخل السوق.
وأضاف أن بعض الملفات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً تشمل استمرار حوكمة منظومة الإفراجات عن خامات الأعلاف بالتنسيق مع البنك المركزي لضمان إعطاء الأولوية لتوفير مستلزمات الإنتاج بالإضافة إلى تشديد الرقابة الرقمية على تداول الأعلاف لضمان وصولها للمربين وخاصة صغار المنتجين بالسعر العادل والقضاء على أي ممارسات احتكارية أو وسطاء يتسببون في زيادة التكلفة.
وأكد أنه يجب أن يكون تعظيم القيمة المضافة محوراً رئيسياً خلال المرحلة المقبلة عبر تحفيز الشركات الكبرى لتوجيه جزء أكبر من استثماراتها نحو التصنيع الزراعي مما يوفر مساحة سوقية أكثر استقراراً لصغار المربين داخل السوق التقليدية ويحقق التوازن بين الإنتاج والتصنيع والتسويق.
وأوضح أنه يجب إعطاء الأولوية القصوى لمشروع قومي لتجفيف البيض وإنتاج مسحوق البيض عبر دعم الشركات الكبرى لإنشاء خطوط إنتاج متطورة لفصل وتجفيف البيض وتحويل الفائض السنوي للإنتاج إلى منتجات عالية القيمة تتمتع بفترات صلاحية طويلة وتلبي احتياجات مصانع الأغذية والمخبوزات والحلويات داخل مصر بالإضافة لفتح أسواق تصديرية جديدة أمام المنتج المصري.
كما دعا لتقديم حوافز استثمارية للتوسع في إنشاء المجازر الآلية الحديثة ومصانع اللحوم المصنعة ومنتجات الدواجن نصف مطهية مع تنفيذ خطة تدريجية ومدروسة للتحول من تداول الطيور الحية لدخول سوق تداول الدواجن المذبوحة والمبردة والمجمدة بما يسهم بالقضاء على الهدر البيولوجي والكمّي الذي يصل لنحو 15% ويحدّ أيضاً انتشار الأمراض الوبائية ويرفع جودة وسلامة المنتجات المصرية.
وشدد على أهمية إنهاء حالة العشوائية فى تسعير الدواجن عبر إطلاق بورصة سلعية رقمية للدواجن تحت إشراف وزارة الزراعة وبالتنسيق مع وزارة التموين والتجارة الداخلية والاتحاد العام لمنتجي الدواجن بحيث يتم إعلان الأسعار بصورة يومية وفقًا للتكلفة الفعلية للمدخلات مع احتساب هامش ربح عادل ومستقر للمربي مما يحمي المنتج الصغير ويضمن حقوق المستهلك ويقضي على المنظومة الموازيّة للسماسرة والمضاربة داخل السوق.
أشار أيضًا الى أهمية تحقيق الاستدامة بالقطاع عبر الاهتمام بملف الاقتصاد الدوري والاستفادة القصوى من جميع المخلفات الناتجة عن صناعة الدواجن موضحاً أنه يمكن إنشاء مصانع ووحدات متطورة لتدوير مخلفات المجازر وتحويل الريش والأحشاء لمصدر بروتين حيواني عالي الجودة يستخدم فى صناعة أعلاف الأسماك مما يسهم بتقليل فاتورة الاستيراد وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.
كما أضاف بأن إعادة تدوير سبلة الدواجن وتحويلها الى أسمدة ومخصبات عضوية معالجة أو استخدامها فى إنتاج الغاز الحيوى “البيوجاز” يمثل خطوة مهمة لدعم المشروعات القومية الزراعية الكبرى وفي مقدمتها مشروع دلتا الجديدة ومستقبل مصر بجانب تحقيق فوائد اقتصادية وبيئية كذلك.
ودعا لعقد اجتماع موسع برئاسة وزير الزراعة واستصلاح الأراضي يشمل رؤساء الشركات الكبرى العاملة بقطاع الدواجن واتحاد المنتجين لوضع بروتوكول متكامل لتوزيع الأدوار بين مختلف أطراف المنظومة وتحديد الحوافز الاستثمارية المطلوبة للتوسع فى التصنيع وتجفيف البيض مع الإسراع فى تفعيل الرخصة الذهبية والموافقة على تخصيص الأراضى التابعة للوزارة بحق الانتفاع لإقامة مصانع تجفيف البيض ووحدات تدوير المخلفات والمجازر الآلية الحديثة.
كما طالب بإدراج منتجات الدواجن المصنعة محليًا ومسحوق البيض ضمن المناقصات الحكومية والسلع التموينية بما يضمن طلب مستدام لهذه المنتجات ويدعم الاستثمارات الجديدة ويوفر مظلة أمان للمصانع والمجازر المحلية ويساهم بتحقيق الأمن الغذائي وتعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي وزيادة الصادرات وتحويل قطاع الدواجن لأحد أهم القطاعات الاقتصادية وجذب العملة الأجنبية.

