مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي يسبق موعده.. دورة تنطلق قبل افتتاحها بعروض وشراكات وبرامج دولية.
ليس من المعتاد أن يبدأ مهرجان قبل موعد افتتاحه بأسابيع، لكن هذا ما يفعله مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي هذا العام. فمنذ أشهر، تتحرك فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين في أكثر من اتجاه، حيث تُقدم عروض دولية أمام الجمهور، وتُفتح ورش تدريبية للفنانين، ويستقطب محور فكري الباحثين، بالإضافة إلى شراكات ثقافية تتسع عامًا بعد عام، مما يجعل المهرجان مشروعًا ثقافيًا ممتدًا لا يرتبط فقط بتاريخ الافتتاح أو الختام.
الدورة الثالثة والثلاثون للمهرجان
تقام الدورة الثالثة والثلاثون للمهرجان برئاسة الدكتور سامح مهران خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026. وقد بدأت الاستعدادات مبكرًا، حاملة معها رسالة واضحة؛ مفادها أن التجريب لا يقتصر على العروض المسرحية بل يمتد أيضًا إلى صناعة المهرجان وآليات حضوره داخل المشهد الثقافي المصري والعربي والدولي.
شراكات دولية ترسم ملامح الدورة 33
أول ملامح هذا الحضور جاءت من خشبة مسرح السامر، حيث احتضن العرض الإيطالي الراقص “Laudato Sie, mi’ Signore” لفرقة Artemis Danza في فعالية أقيمت بالتعاون مع المعهد الثقافي الإيطالي بالقاهرة. شهدت الفعالية حضور د. سامح مهران رئيس المهرجان، ود. ماوريتسيو جويرا مدير المعهد الثقافي الإيطالي، ود. محمد الشافعي منسق عام المهرجان، بالإضافة إلى عدد كبير من الفنانين والإعلاميين والمسرحيين.
العرض الذي صممته وأخرجته الكوريغراف الإيطالية مونيكا كاسادي لم يكن مجرد استضافة لفرقة أجنبية بل جاء احتفاءً بمرور ثمانمائة عام على تأليف “أنشودة المخلوقات” للقديس فرنسيس الأسيزي. قدم العرض معالجة معاصرة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة في تجربة بصرية وإنسانية تعكس طبيعة الاختيارات الفنية التي يراهن عليها المهرجان.
يمتد التعاون بين المهرجان والمعهد الثقافي الإيطالي إلى مساحة أخرى أكثر عمقًا، حيث يستعد الجانبان لإطلاق ورشة “الكوميديا ديللارتي.. القناع الذكي يكشف الحقيقة” للفنان الإيطالي أليسيو ناردين. تستقطب هذه الورشة أكثر من 500 مسرحي وتبدأ في 4 أغسطس المقبل وتستمر لمدة شهر، لتختتم بعرض ختامي. تهدف هذه الشراكة الثقافية المستمرة منذ سنوات إلى نقل الخبرات الإيطالية إلى الفنانين المصريين ودعم برامج التدريب والتطوير المهني وتعزيز التبادل الفني بين البلدين.
ولا تتوقف خريطة التدريب عند الشراكة الإيطالية فقط؛ إذ أعلن المهرجان أيضًا فتح باب التقديم للمشاركة في ورشة “إبداعات الأداء في المساحات المفتوحة” التي يقدمها الكاتب والمخرج الإسباني باكو جاميث. تمنح هذه الورشة المؤدين ذوي الخبرة المتوسطة فرصة لاكتشاف آفاق جديدة في صناعة المسرح خارج القاعات التقليدية عبر برنامج يجمع بين السرد الشخصي والدراماتورجيا والارتجال والإخراج وآليات التفاعل مع الجمهور داخل الفضاءات المفتوحة.
تُقام الورشة في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 19 سبتمبر على مدار أربعة أيام أسبوعيًا ولمدة خمس ساعات يوميًا. يُختتم المشاركون تجربتهم بعرض أدائي مفتوح في 20 سبتمبر، ويستمر استقبال طلبات المشاركة حتى 29 يوليو الجاري. تأتي الورشة بدعم من اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية (EUNIC) وبتمويل من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ووصلة للفنون.
يُعتبر باكو جاميث أحد أبرز كتّاب المسرح والمخرجين في إسبانيا حيث حصد العديد من الجوائز وقدمت أعماله على أهم المسارح الإسبانية والدولية كما تُرجمت نصوصه إلى أكثر من 12 لغة ليقدم للمشاركين خبرة عملية تجمع بين الكتابة والإخراج والتجريب المسرحي.
المحور الفكري
بينما تتحرك الورش والعروض على الأرض، كان للمحور الفكري نصيبه من هذا الحراك حيث أسدل المهرجان الستار على استقبال ملخصات الأبحاث الخاصة بمحور الدورة الثالثة والثلاثين تحت عنوان “جيو: التجريب المسرحي” (Geo-Theatrical Experimentation). استقطب المحور الباحثين والأكاديميين والنقاد للمشاركة في ثلاثة مسارات رئيسية تناولت علاقة التجريب بالإقليم الثقافي وتأثير آليات الرأسمالية على الممارسة المسرحية وموقع المتفرج داخل بنية العرض التجريبي في محاولة لإعادة طرح أسئلة المسرح المعاصر من زوايا جديدة.
استجاب المهرجان للإقبال المتزايد من الفرق العربية والأجنبية بإعلان مد الموعد النهائي لتلقي طلبات المشاركة بما أتاح مساحة أوسع أمام التجارب المسرحية المختلفة للانضمام إلى برنامج الدورة المقبلة وأكد المكانة التي بات يحتلها المهرجان على خريطة المهرجانات الدولية.
آراء المنظمين
قال الدكتور محمد الشافعي المنسق العام لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي إن ما يشهده المهرجان هذا العام هو ترجمة لرؤية تؤمن بأن المهرجان لا ينبغي أن يختزل في أسبوع واحد من العروض بل هو مشروع ثقافي متكامل يعمل طوال العام موضحًا أن الفعاليات التي انطلقت قبل موعد الدورة تعكس فلسفة تقوم على الجمع بين الإنتاج الفني والتدريب والبحث العلمي والتعاون الدولي.
وأضاف: حرصنا على أن تكون الدورة الثالثة والثلاثون حاضرة قبل افتتاحها عبر برنامج متكامل يجمع بين العروض الدولية والورش المتخصصة والمحور الفكري لأننا نؤمن بأن بناء جمهور واعٍ وفنان أكثر احترافًا يبدأ قبل رفع الستار بوقت طويل كما أن الشراكات التي نعقدها مع مؤسسات ثقافية دولية لا تستهدف تنظيم فعاليات عابرة بل تأسيس تعاون طويل الأمد يفتح آفاقًا جديدة أمام المسرحيين المصريين ويعزز مكانة القاهرة كمركز للحوار المسرحي الدولي.
أكدت منى سليمان عضو اللجنة العليا للمهرجان أن هذه الدورة تعتمد على فلسفة تقوم على تنوع أدوات التواصل مع المجتمع المسرحي سواء عبر المحور الفكري أو الورش أو الفعاليات الدولية التي تسبق المهرجان مشيرة إلى أن الشراكات الدولية التي أعلن عنها المهرجان هذا العام تقوم على تبادل الخبرات وإنتاج مساحات مشتركة للتعلم والإبداع وهو ما يتوافق مع استراتيجية وزارة الثقافة لدعم الانفتاح الثقافي وتعزيز القوة الناعمة المصرية عبر التعاون مع المؤسسات الدولية.
زخم استثنائي
أخيرًا وليس آخرًا أكد الناقد باسم صادق مدير المركز الإعلامي للمهرجان أن الدورة الثالثة والثلاثون تشهد زخماً استثنائياً حتى قبل انطلاقها مما يفرض مسؤولية إعلامية مختلفة تقوم على متابعة هذا الحراك ونقله للجمهور بصورة متواصلة.
وقال: المتابع لأنشطة المهرجان خلال الأسابيع الماضية سيدرك أن هناك دورة بدأت بالفعل حتى وإن لم يحِن موعد الافتتاح الرسمي بعد وهذا التنوع بين العروض والورش والمحور الفكري والشراكات الدولية يعكس حجم العمل الذي يُبذل خلف الكواليس ويؤكد حرص مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي على صنع حضوره على مدار العام فبين خشبة المسرح وقاعات التدريب وطاولات البحث تتشكل ملامح الدورة 33 في تجربة تؤكد أن التجريب لم يعد عنواناً للعروض المسرحية فقط بل أصبح منهجاً في إدارة المهرجان نفسه.

