القاضي المزيف والطبيب المزيف والضابط المزيف والصحفي المزيف.. جميعها صفات تصدرت المشهد خلال الفترة الأخيرة في وقائع انتحال الهوية والاحتيال. حيث تمكن أشخاص من إقناع المحيطين بهم بأنهم يحملون صفات رسمية ومهنية لم يمتلكوها يومًا، مستغلين هيبة المنصب وثقة المجتمع في أصحاب هذه الصفات. لكن كيف يمكن لشخص عادي أن يرتدي «ثوب» القاضي أو الطبيب أو الضابط ويقنع الآخرين بأنه صاحب سلطة أو خبرة؟ ولماذا يصدق البعض هذه الادعاءات دون طلب دليل على صحتها؟ هل تكمن الحكاية في مهارة المحتال وحدها، أم أن هناك عوامل اجتماعية ونفسية تمنح «المزيف» فرصة للنجاح والاستمرار؟

«القاضي المزيف».. سنوات خلف الوشاح القضائي.

بدأت واقعة «القاضي المزيف» بعد تداول فيديو استغاثة لأحد المواطنين، اتهم فيه شخصًا بالحصول على أموال منه بعدما أوهمه بقدرته على إنهاء مصالح وإجراءات رسمية. وكشفت التحقيقات أن المتهم انتحل صفة قاضٍ لعدة سنوات، مستغلًا تلك الصفة لإيهام المواطنين بقدرته على إنهاء مصالحهم مقابل مبالغ مالية. كما استعان بثلاثة من العاملين بمحكمة شمال القاهرة لتمكينه من دخول المحكمة وقاعات الجلسات بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية، وارتدى الوشاح القضائي وصور مقاطع فيديو داخل المحكمة، ثم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتدعيم صورته الزائفة وإقناع ضحاياه بأنه يشغل صفة قضائية حقيقية.

«الطبيب المزيف».. سنوات من العلاج الخاطئ حتى وفاة طفلة

وفي واقعة أخرى، نجح طبيب مزيف لسنوات في ممارسة الطب منتحلاً صفة طبيب أورام، مستخدمًا مؤهلاً دراسيًا مزورًا. وتمكن من خداع عشرات المرضى وتشخيص حالاتهم ووصف أدوية لهم قبل أن ينكشف أمره. وكشفت التحقيقات أن من بين ضحاياه طفلة تلقت علاجًا خاطئًا بعد تشخيصه لحالتها، ما أدى إلى تدهور صحتها ووفاتها، لتكشف الواقعة الوجه الأخطر لانتحال الصفة عندما يتحول الخداع إلى تهديد مباشر لحياة المرضى.

«عراف الجيزة».. 32 عامًا خلف قناع الضابط.

أما «عراف الجيزة»، فكانت سنوات الخداع هي الأطول، بعدما كشفت التحريات أنه انتحل صفة ضابط لنحو 32 عامًا. نجح في إقناع زوجته وأبنائه بحقيقة عمله المزعوم، حتى أنه كان يحتفل معهم بترقياته الوهمية ثم أخبرهم بإحالته إلى المعاش. وعقب ضبطه، عثرت الأجهزة الأمنية داخل منزله على صور له مرتديًا الزي الميري إلى جانب أجهزة حاسب وطابعات وأختام ومستندات وشهادات وعقود مزورة استخدمها في انتحال أكثر من صفة.

كيف ينجح «المزيفون».

تقول الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع ورئيسة قسم بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إن المزيفين يمثلون ظاهرة اجتماعية تتجاوز مجرد الكذب؛ فهم يقدمون صورة عن أنفسهم تختلف جوهريًا عن حقيقتهم ليحققوا مكانة أو نفوذ أو مكاسب مهنية واجتماعية. وتوضح أن الظاهرة تستحق التوقف أمامها لأنها لا تتعلق بشخص يبالغ في قدراته فقط بل تمتد آثارها إلى بيئة العمل ومنظومة القيم التي تحكم العلاقات داخل المجتمع.

وتضيف: “تبدأ الخطورة الحقيقية عندما يصبح المظهر أكثر قيمة من الجوهر والقدرة على التسويق للنفس أهم من القدرة على الإنجاز”. وتتابع: “التزييف لا يأخذ شكلًا واحدًا؛ فقد يكون شخصًا يبالغ في مؤهلاته أو موظفًا ينسب إنجازات الآخرين لنفسه”.

وتشير إلى أنه عندما تفشل المؤسسات في التمييز بين الكفاءة الحقيقية والكفاءة المتخيلة يصبح التزييف وسيلة للترقي، مما يؤدي إلى شعور بالإحباط لدى أصحاب الكفاءة الذين قد يبدأ بعضهم في تقليد السلوك نفسه.

بين تحسين الصورة واختلاق شخصية غير حقيقية.

وتؤكد الدكتورة هند أن التزييف يمكن اعتباره أحد أشكال إدارة الانطباع؛ حيث يسعى الأفراد للتحكم في الطريقة التي يرون بها الآخرون. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إدارة الانطباع إلى اختلاق ذات غير حقيقية. هنا يظهر الفرق بين الشخص الذي يحسن تقديم نفسه والشخص المزيف؛ الأول قد يمتلك الكفاءة ويجيد التعبير عنها بينما الثاني يمتلك صورة مهنية جذابة لا تتناسب مع قدراته الحقيقية.

السوشيال ميديا.. مساحة أوسع لصناعة الصورة.

وترى أستاذ علم الاجتماع أن البيئة الرقمية منحت هذه الصورة مساحة أكبر للانتشار؛ إذ أصبح من السهل تقديم نسخة منتقاة من الحياة وعرض النجاحات والمقتنيات مع إخفاء جوانب الفشل. ومع انتشار ثقافة المقارنة قد يبدأ الأفراد بقياس نجاحهم بما يرونه لدى الآخرين.

نجاح المزيف.. ليس دائمًا قدرة على الخداع.

وبحسب الدكتورة هند فإن نجاح المزيف لا يمكن دائمًا تفسيره بقدرته الشخصية على الخداع بل قد يكون انعكاسا للبيئة المحيطة به أيضًا. ومن أهم العوامل التي تسمح بانتشار الظاهرة: ضعف معايير تقييم الأداء وغياب الشفافية والاعتماد المفرط على العلاقات الشخصية.

كيف يمكن مواجهة المزيفين؟

تنتقل أستاذة علم الاجتماع إلى السؤال الأهم: كيف يمكن مواجهتهم؟ توضح أن مواجهة المزيفين لا تكون فقط بكشف الأشخاص وإنما بإصلاح البيئة التي تجعل التزييف مرحباً به. فالمشكلة ليست فقط في الأفراد وإنما أيضًا في القواعد التي تمنحهم فرصة النجاح.

الحرب ليست على الأشخاص.. وإنما على منظومة تكافئ الصورة
.

سمات شخصية تتكرر في المحتالين