تبرز سيرة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها كنموذج فريد للفضل والبركة، حيث غير زواجها من سيدنا النبي ﷺ مسار قبيلتها من الأسر إلى العتق والحرية. جمعت بين شرف المصاهرة النبوية والاجتهاد في الذكر ونقل العلم والسنن للأمة.
النسب والنشأة
تنتمي جويرية إلى أبرز عائلات بني المصطلق، حيث نشأت في بيت سيادة ووجاهة، لتسوقها الأقدار لاحقًا من شرف النسب الرفيع إلى جلال المصاهرة النبوية العظيمة.
روى ابن أبي خيثمة وأبو عمر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان اسم جويرية برة، فغيره رسول الله ﷺ وسماها جويرية. كره أن يقال خرج من عند برة، وهي جويرية – بضم الجيم مصغر – بنت الحارث بن أبي ضرار ابن الحارث بن المصطلق.
لم يكن نسبها مجرد أسماء تُسرد، بل كان تهيئة لبيت سيخرج منه الخير لقومها. هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة بن المصطلق من خزاعة. قبل أن يختارها الله لتكون أمًا للمؤمنين، كانت رضي الله عنها مرتبطة ببيوتات قومها، حيث تزوجت مسافع بن صفوان ذي الشفر ابن سرح بن مالك بن جذيمة الذي قتل يوم المريسيع.
الوقوع في الأسر
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له. فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه. فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فأعني على كتابتي. فقال: أوخير من ذلك، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك. فقالت: نعم، ففعل. فلما بلغ الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوجها، قالوا: أصهار رسول الله يسترقون فأعتقوا بأيديهم من بني المصطلق. فلقد أعتق الله تعالى لها مائة أهل بيت من بني المصطلق فلا أعلم امرأة أعظم منها على قومها بركة.
يوم المريسيع
كانت غزوة بني المصطلق يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة على الراجح. فقد بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله بعد ذلك. فلما سمع بهم خرج إليهم.
حتى لقيهم على ماءٍ من مياههم يُقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل. فتزاحم الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقُتل منهم مَن قُتل، ونفل الله رسوله أبناءهم ونسائهم. وكان رسول الله ﷺ قد أصاب منهم سبيا كثيرًا قسمه في المسلمين. ومن النساء اللواتي أصابهن يومئذٍ كانت جويرية بنت الحارث ابنة أبي ضرار سيد نساء قومها.
في لحظة تاريخية فارقة تحول غبار المعركة إلى نور هداية؛ إذ كانت السيدة جويرية رضي الله عنها مفتاح الخير لأهلها؛ لم تكن امرأة عادية بل كانت “نسمة بركة” هبت على قومها ففكت قيودهم وأعتقت رقابهم ببركة زواجها الميمون وبمجرد دخولها عتبات البيت النبوي. لم تكتفِ بتغيير مكان عيشها بل طال التغيير جوهر اسمها وهويتها؛ فكان النبي ﷺ يزرع في روحها معاني التواضع والعبودية لله ويحيط بها بعنايته كأم للمؤمنين لها ما لهن من الحقوق والمكانة العلية.
إسلام والدها الحارث بن أبي ضرار
لم يقتصر الفضل على عتق الرقاب بل امتد لهداية القلوب؛ جاء والدها ليفديها فأسلم بيقين ومعجزة. فلما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث وكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعةً وأمره بالاحتفاظ بها. وقد قدم رسول الله المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته وعندما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها وغيبَهما في شعبٍ من شعاب العقيق ثم أتى إلى النبي ﷺ وقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداءُها. فقال رسول الله ﷺ: فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمدٌ رسولُ الله فو والله ما اطلع على ذلك إلا الله فأعلن إسلامه وإسلام معه ابنان له وناسٌ من قومه.
رؤيا جويرية قبل قدوم النبي
كانت أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها تشعر بقدوم هذا النور قبل وقوعه؛ فقد حدثت عن رؤيا سبقت إسلامها: وعن حزام بن هشام عن أبيه قال: قالت جويرية: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري. فكَرِهْتُ أن أخبر أحدًا بذلك حتى قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلما سُبينا رجوت الرؤيا فلما أعتقني وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوا إليهم وما شعرت إلا بجاريةٍ من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدتُ لله عز وجل.
وفاتها رضي الله عنها
ماتت في ربيع الأول سنة خمسين وهو الصحيح وقيل سنة ست وخمسين وصلى عليها مروان بن الحكم وهو أمير المدينة وقد بلغت سبعين سنة لأنه تزوج بها سنة عشرين وقيل إنها كانت بنت عشرين سنة حينذاك وقيل توفيت سنة خمسين وهي بنت ست وخمسين والله سبحانه وتعالى أعلم.

