تواجه إدارة العمل الثقافي في مصر تحديًا كبيرًا يتمثل في غياب “مبدأ الاستمرارية” للمشروعات القومية التي تتبناها استراتيجية الدولة، حيث ترتبط هذه المشروعات بأسماء من يطلقها. ومع كل تغيير وزاري، وخروج وزير الثقافة واستقدام آخر، تدخل تلك المشروعات – مهما كانت واعدة – في نفق التجميد والإهمال، لتوضع في أدراج النسيان أو يبدأ الخلف من نقطة الصفر، مما يحول أفكارًا قومية طموحة إلى ملفات معلقة لا يعرف مصيرها وينتظر بعضها الحسم منذ عقود.

في هذا التقرير، نستعرض أبرز المشروعات الثقافية المعلقة منذ عدة سنوات، وخصوصًا بعد تكليف الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة عقب استقالة الدكتورة جيهان زكي.

متحف الجزيرة للفنون (معطل منذ عام 1988)

يعتبر متحف الجزيرة للفنون، الكائن بأرض الأوبرا، واحدًا من أثمن المجموعات الفنية في الشرق الأوسط، حيث يضم آلاف القطع النادرة من لوحات وتماثيل وخزف إسلامي وسجاد تاريخي، بما في ذلك مجموعات أسرة محمد علي ومقتنيات الملك فاروق. ورغم أهميته، لا يزال المتحف مغلقًا للتطوير منذ نهايات الثمانينات!

تحول متحف الجزيرة للفنون إلى لغز مزمن؛ حيث تعاقب على وزارة الثقافة أكثر من 10 وزراء والشعار دائمًا هو “الافتتاح قريبًا”!

تتمثل الأزمة الحقيقية التي تواجه متحف الجزيرة للفنون في تشابك التمويل وتعديل اشتراطات السلامة وأنظمة العرض المتحفي الحديثة، بالإضافة إلى بطء الشركات المنفذة. وبالتالي، تمر الأعمال داخله بمراحل متقطعة، ولا يزال المصير النهائي للافتتاح الكامل غير معلن بشكل قاطع وسط مطالبات مستمرة من الجماعة التشكيلية لإنقاذ هذا الكنز.

مشروع واحة الثقافة بمدينة 6 أكتوبر

خصص لمشروع واحة الثقافة أرض بمساحة شاسعة في مدينة 6 أكتوبر ليكون منارة ثقافية متكاملة تضم مسارح وقاعات عرض ومراكز إبداع لخدمة التوسع العمراني في غرب القاهرة.

لم تعلن وزارة الثقافة عن أسباب واضحة لتعثر افتتاح المشروع الذي ظل متعطلًا لعدة سنوات. وقد تعاقب عليه عدة وزراء للثقافة منهم الدكتور جابر عصفور والدكتورة إيناس عبد الدايم والدكتور صابر عرب والدكتورة نيفين الكيلاني والدكتور أحمد هنو. ويصنف مشروع واحة الثقافة حاليًا ضمن “المشروعات البطيئة جدًا” التي لم تكتمل بالشكل المأمول.

مشروع الانتهاء من ترميم قرية القرنة بالأقصر (حسن فتحي)

ما زال الانتهاء من ترميم قرية القرنة “حسن فتحي” بالأقصر قيد الانتظار لتجهيزها لافتتاح المرحلة الثانية. جاء هذا التطوير بعد الانتهاء من تطوير المرحلة الأولى التي تم افتتاحها يوم 23 ديسمبر عام 2021.

تضم المرحلة الثانية منزل المهندس حسن فتحي وباقي أرجاء القرية لتصبح مزارًا تراثيًا عالميًا. وقد تم إعادة تشغيل واستخدام كافة المباني التي تم ترميمها، بما يشمل المسجد وقصر الثقافة والمكتبة الملحقة به.

تطوير مكتبة البلدية بدمنهور

مع استقالة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة السابقة، يبقى مصير بروتوكول التعاون بين وزارة الثقافة ومحافظة البحيرة غير واضح. يشمل هذا البروتوكول تطوير مكتبة البلدية بدمنهور عبر الهيئة العامة لقصور الثقافة. فهل انتهت الدار من أعمال التطوير وترميم المقتنيات أم أن المشروع توقف بعد اعتذار الوزيرة عن المنصب؟

تعد مكتبة البلدية بدمنهور واحدة من أقدم وأعرق المكتبات التاريخية في دلتا مصر وتضم مخطوطات وكتبًا نادرة.

إنشاء منصة افتراضية لقصور الثقافة وتطبيق الكتب الرقمية

مع تولي كل وزير حقيبة وزارة الثقافة تُطلق مشروعات التحول الرقمي والبرمجة والمنصات الافتراضية منذ أكثر من 10 سنوات. وعندما طرح صندوق التنمية الثقافية – برئاسة المهندس محمد أبو سعدة – مشروع منصة افتراضية تضم كل ما يحدث من فعاليات بقطاعات وزارة الثقافة بحيث يراها الجمهور سواء داخل مصر أو خارجها وقت حدوثها بالتعاون مع وزارة الاتصالات.

ومع مرور السنوات تحول هذا المشروع مع التحول الرقمي الشامل للدولة إلى عدة مشروعات أخرى لتسهيل وصول المنتج الثقافي للقرى والنجوع وإتاحة إصدارات الوزارة إلكترونيًا.

بينالي الإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط

أما بالنسبة لبينالي الإسكندرية لدول حوض البحر المتوسط الذي أعلن عن عودته وزير الثقافة الأسبق الدكتور أحمد هنو بعد غياب 12 عامًا فقد اختفى الآن من أجندة وزارة الثقافة. فلا أحد يعرف مصيره بعد تولي الدكتورة جيهان زكي الوزيرة المستقيلة للوزارة؛ فقد يتم تأجيل البينالي إلى أجل غير مسمى أو قد يكون مرهوناً بقرار قطاع الفنون التشكيلية لإعادة إدراج الموازنة الخاصة به وسط مطالبات فنية بضرورة عودته للحفاظ على القوة الناعمة المصرية.

مشروع كورال وأوركسترا مصر الوطني

استهدف مشروع كورال وأوركسترا مصر الوطني اكتشاف ورعاية الموهوبين موسيقيًا وغنائيًا من أطفال وشباب المحافظات وقرى “حياة كريمة” بالاعتماد على البنية التحتية للهيئة العامة لقصور الثقافة وخبرة المايسترو سليم سحاب. أطلق هذا المشروع الهيئة العامة لقصور الثقافة عندما كان اللواء خالد اللبان مساعد وزير الثقافة لشئون الهيئة. وبمجرد رحيله عن منصبه يبقى مصير مشروع كورال وأوركسترا مصر الوطني مجهولاً؛ فهل لا يزال المايسترو سليم سحاب وقصور الثقافة يعملان عليه أم أنه يعاني أزمة “استدامة”؟