في متحف «رموز ورواد الفن المصري» بالزمالك، لا تبدو المقتنيات المعروضة مجرد أشياء تنتمي إلى زمن مضى، بل تتجاور الصور والملابس والنوت الموسيقية والوثائق الرسمية مع مقتنيات أكثر خصوصية. من بينها جوابات مكتوبة بخط اليد وخواطر وأوراق تحمل توقيعات وشطبًا وتصحيحات، لتكشف جانبًا إنسانيًا من حياة أصحابها بعيدًا عن الأضواء.
تتضمن هذه المقتنيات أوراق الفنانة زوزو نبيل، التي وصلت إلى المتحف كجزء من مقتنياتها الشخصية، وتحتوي على صور ووثائق وشهادات من مسيرتها الفنية، بالإضافة إلى جوابات كتبتها بخط يدها.
لكن قيمة أحد هذه الجوابات لا تقتصر على كونه ورقة قديمة تحمل اسم فنانة شهيرة، بل تكشف كلماته جانبًا مختلفًا من شخصية زوزو نبيل في لحظة إنسانية بعيدة عن صورتها المعروفة لدى الجمهور كممثلة وصوت إذاعي.
في الرسالة، تستعيد الفنانة سنوات مرت من حياتها، وتتناول التعب والمعاناة وتعبر عن ضيقها ومللها من العمل وبعض زملائها. وكأن الورقة كانت المساحة التي وجدت فيها متنفسًا لتقول ما يثقلها بعيدًا عن أعين الجمهور.
وهنا يتحول الجواب من مجرد وسيلة لنقل الكلام إلى «فضفضة محفوظة بخط صاحبها».
عندما كانت الفضفضة تحتاج إلى ورقة وقلم
قديمًا، لم تكن الرسالة مجرد نص يُكتب وينتهي الأمر؛ بل كانت رحلة كاملة تبدأ بورقة وقلم ثم ظرف وعنوان قبل أن تسلك طريقها عبر البريد. ومع تطور البريد المصري الحديث خلال القرن التاسع عشر، أصبحت الرسائل تسلك مسارًا أكثر تنظيمًا بين الأشخاص والأماكن. وتحولت الجوابات إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية؛ تحمل أخبار الغائبين والعتاب والاشتياق والشكاوى والاعترافات وغيرها من التفاصيل التي قد يصعب قولها وجهًا لوجه.
وكان الكاتب يمتلك وقتًا للتفكير قبل أن يخط كلماته ووقتًا آخر بعد إرسالها لا يعرف خلاله متى ستصل الرسالة أو متى سيأتي الرد. ولهذا كانت للفضفضة في ذلك الزمن طبيعة مختلفة؛ تكتب لشخص واحد وتعرف أن كلماتك ستصل إليه وحده.
هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر تواصلًا وأقل قدرة على الانتظار؟
جاء التليغراف ثم الهاتف ثم الهاتف المحمول فالرسائل النصية وتطبيقات المحادثة. ومع كل مرحلة تقلصت المسافة بين المرسل والمتلقي. اختصر التليغراف زمن وصول الأخبار العاجلة ثم ألغى الهاتف انتظار وصول الصوت قبل أن تجعل الرسائل الرقمية وصول الكلمات شبه فوري.
لكن التكنولوجيا لم تختصر وقت وصول الرسالة فقط، بل اختصرت أيضًا مساحة الانتظار نفسها. في زمن الجواب كان تأخر الرد أمرًا طبيعيًا؛ ربما لم تصل الرسالة بعد أو لم يجد صاحبها وقتًا للكتابة أو كان رده يحتاج إلى أن يسافر بالطريق نفسه.
أما اليوم فالرسالة تصل في اللحظة ذاتها تقريبًا ويمكن معرفة أنها وصلت ثم معرفة أنها قُرئت ليظهر سؤال لم يكن موجودًا بهذه الصورة في عصر الجواب: «إنت شوفت الرسالة؟» أصبح الصمت بعد القراءة قابلًا لعشرات التأويلات؛ انشغال أو غضب أو تجاهل أو رغبة في عدم الرد.
وبذلك قصّرت التكنولوجيا المسافة بين الناس لكنها في المقابل رفعت سقف توقعاتنا تجاه بعضنا البعض. فإذا كان الطرف الآخر قادرًا على الرد فورًا فلماذا لم يفعل؟ وإذا كان متصلًا فلماذا لا يتحدث؟ أصبح الرد السريع هو القاعدة وأصبح التأخر استثناءً يحتاج إلى تفسير.
وربما لهذا يبدو زمن الجواب رغم بطئه أكثر قدرة على احتمال الانتظار؛ فلم يكن الإنسان يعرف ما الذي يحدث على الطرف الآخر ولذلك لم يكن مضطرًا إلى مراقبته. لم تكن هناك علامة قراءة تحول الصمت إلى سؤال بل كان هناك فراغ بين الرسالة والرد وكان هذا الفراغ جزءً طبيعيًّا من الحياة.
هل يصبح الـScreenshot «جواب» عصرنا؟
بعد عقود، ربما تقف أجيال قادمة أمام Screenshot قديم بالطريقة نفسها التي نقف بها اليوم أمام جواب عمره عشرات السنين. فالجواب الورقي لا يحفظ الكلمات فقط وإنما يحتفظ بخط اليد والتوقيع والتاريخ والشطب وآثار الزمن وحتى بعض مظاهر التردد أثناء الكتابة وإعادة صياغة الجمل. ولهذا يستطيع المتحف أن يعرضه باعتباره أكثر من رسالة؛ فهو أثر إنساني يكشف شيئاً عن صاحبه وعن العصر الذي عاش فيه.
أما الـScreenshot فقد يكون وثيقة عصرنا الرقمية إذ يستطيع أن يحفظ محادثة كاملة بما تتضمنه من كلمات وتوقيتات وصور ورموز تعبيرية وردود وربما اللحظة التي قرأ فيها الطرف الآخر الرسالة. إذا كان الجواب يقول لنا: «هكذا كان هذا الشخص يكتب»، فقد يقول لنا الـScreenshot مستقبلًا: «هكذا كان هذا الجيل يتحدث». لكن المفارقة أن الجواب كان بطيئاً ومع ذلك بقي بينما رسائلنا سريعة وقابلة للاختفاء؛ محادثة تُحذف أو حساب يُغلق أو هاتف يضيع أو تطبيق يتغير فتختفي معها أجزاء من ذاكرة أصحابها.
من «فضفضة لشخص واحد» إلى جمهور كامل
حتى مفهوم الفضفضة نفسه تغير. في زمن الجواب كانت الرسالة تذهب إلى شخص واحد أما اليوم فقد تبدأ الخاطرة باعتبارها كلاماً شخصياً ثم تتحول إلى Status أو Post أو Story يراها عشرات أو مئات أو آلاف الأشخاص. انتقلت الفضفضة من الورقة الخاصة إلى الشاشة العامة ومن سؤال: «ماذا أريد أن أقول لك؟» إلى سؤال آخر: «ماذا أريد أن يعرف الناس عني؟» ومع ذلك لم يتغير الاحتياج الإنساني الأساسي؛ فما زال الإنسان يريد أن يحكي ويعاتب ويخرج ما بداخله ويشعر بأن هناك من يسمعه.
الذي تغير فقط هو الطريق: من ورقة سافرت أياماً إلى رسالة تصل في ثانية ومن فضفضة لشخص واحد إلى منشور يبحث عن جمهور. وبين جواب زوزو نبيل المحفوظ خلف زجاج المتحف وScreenshot محفوظ في هاتف أحدنا يبقى السؤال مفتوحاً: أيهما سيحكي عنا أكثر بعد خمسين عاماً؟

