تلقيت الأسبوع الماضي سؤالين قمت بالإجابة عنهما بصورة مستقلة، وأود اليوم مشاركة قراء جريدة وموقع فيتو هاتين الإجابتين، لاعتقادي أن هناك كثيرًا من القراء الذين يمكن أن يكونوا مهتمين، أو يمكنهم أن يتعرفوا على هذه المفاهيم الخاصة، والتي قد يكونون على غير علم أو دراية بها، فتكتمل الفائدة.

السؤال الأول جاء من أحد طلاب الماجستير في السياسات العامة، وهو يدرس مادة (المالية العامة)، وواضح أن مفهوم الهيمنة المالية (Fiscal Dominance) قد أتى في معرض ورقة علمية طلب الأستاذ منهم شرحها، ولما استعصى فهمها على الطالب النجيب، أرسل إليَّ يسألني عنها، وعن أمثلة لها.

الإجابة هي: الهيمنة المالية تعبر عن حالة اقتصادية على مستوى الاقتصاد الكلي، تتغلب فيها متطلبات والتزامات السياسة المالية (احتياجات الحكومة لتمويل العجز وسداد الديون) على أهداف السياسة النقدية (إدارة التضخم واستقرار العملة).

في الحالات العادية، عادة ما يكون هناك نوع من الهيمنة النقدية، حيث يعمل البنك المركزي بشكل مستقل ويحدد أسعار الفائدة بناءً على هدفه في كبح التضخم واستقرار الأسعار.

أما في حالة الهيمنة المالية، فإن حجم الدين الحكومي وعجز الموازنة المرتفع يصبحان القيد الأساسي الذي يُكبل قرارات البنك المركزي، مما يجعله -عمليًا- تابعًا للمالية العامة.

كيف تتجسد الهيمنة المالية في الاقتصاد المصري؟

تتأثر المنظومة الاقتصادية في مصر بهذه الظاهرة من خلال عدة ديناميكيات متداخلة:.

  • الحلقة المفرغة بين رفع الفائدة وخدمة الدين: عندما يرتفع التضخم، يحتاج البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة لامتصاص السيولة. ولكن لأن الحكومة هي المقترض الأكبر في السوق المحلي (عبر إصدار أذون وسندات الخزانة)، فإن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة تتسبب في إضافة عشرات المليارات من الجنيهات إلى فاتورة خدمة الدين (الإنفاق على الفوائد) في الموازنة العامة. تؤدي هذه الزيادة إلى توسيع عجز الموازنة مجددًا مما يضطر الحكومة للاقتراض بنسب أكبر أو الضغط على السياسة النقدية، وبالتالي إعادة تغذية التضخم مرة أخرى بدلًا من كبحه.
  • مزاحمة القطاع الخاص (Crowding-out): تتجه البنوك الوطنية والمحلية لإقراض الحكومة كخيار آمن وعالي العائد (عبر شراء أدوات الدين الحكومية). ولكن يتسبب ذلك في تقليص المساحة الائتمانية والتمويلية المتاحة للقطاع الخاص والاستثمار الإنتاجي مما يعطل نمو الأنشطة التي تولد قيمة مضافة وحصيلة دولارية حقيقية.
  • تقييد استقلالية قرارات البنك المركزي: يصبح البنك المركزي أمام معضلة صعبة؛ إما تشديد السياسة النقدية برفع الفائدة للسيطرة على التضخم مما يُرهق الخزانة العامة أو التغاضي عن مستهدفات التضخم وتيسير السياسة النقدية لتسهيل اقتراض الحكومة وتخفيف تكلفة دينها مما يضر بالثقة في العملة الوطنية.
  • الضغوط التضخمية الهيكلية: تحت الهيمنة المالية ينظر المستثمرون والأسواق إلى حجم الدين والعجز المتزايد باعتباره مؤشرًا على أن الحكومة قد تلجأ في النهاية إلى طباعة النقد (Monetization of Debt) أو خفض قيمة العملة. هذا التصور يرفع من توقعات التضخم المستقبلية لدى الأفراد والشركات مما يُصعّب من مهمة البنك المركزي في ترسيخ استقرار الأسعار.

لذا السؤال الأهم في هذه الحالة: كيف يخرج الاقتصاد من فخ الهيمنة المالية؟

للتحول نحو اقتصاد إنتاجي مستقر يتطلب الأمر حزمة إجراءات إصلاحية أهمها: الضبط المالي الصارم (Fiscal Discipline) عن طريق خفض عجز الموازنة الأولي ووضع سقف دستوري أو قانوني ملزم لإجمالي الدين العام إلى الناتج المحلي. إطالة أمد الدين وتخفيض تكلفته: استبدال الديون قصيرة الأجل مرتفعة التكلفة بأدوات تمويلية طويلة الأجل أو مبادلة الديون باستثمارات أصلية. تعزيز الاستقلالية الفعلية للبنك المركزي: حظر التمويل المباشر أو غير المباشر لعجز الخزانة لتركيز أدوات السياسة النقدية بالكامل على استهداف التضخم.

أما السؤال الثاني الذي أتاني من صديق عزيز وخبير بل عالم متميز في إدارة الموارد المائية من زملائنا بالخارج فهو: كيف تختلف طبيعة الفساد بين النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي؟ وأي النظامين أسهل في مقاومة الفساد؟

الإجابة هي: الفساد في الاشتراكية يأتي من السلطة؛ فالحزب الحاكم لو فسد من القمة لا يمكن مقاومته. أما لو فسد من السلطات الأقل فإنه يسهل القضاء عليه إذا كانت الإرادة الحقيقية موجودة لدى القمة. بينما الفساد في الرأسمالية يأتي من رأس المال أو تزاوج المال بالسلطة عبر اللوبيات والرشاوى وغيرها؛ لذا غالبًا ما يبدو مقننًا.

لتوضيح الفرق بشكل أعمق ولأنه لا توجد إجابة واحدة قاطعة فإن الاختلاف يعود إلى جذور الفساد وطريقة ظهوره في كل نظام. ففي النظام الرأسمالي عادة ما يتسلل المال إلى صناعة القرار؛ حيث يستطيع أصحاب رؤوس الأموال والأثرياء التأثير على السياسات والقوانين عبر التبرعات الانتخابية وجماعات الضغط والباب الدوار بين المناصب الحكومية كما ذكرت سابقًا. أما النظام الاشتراكي ينبع فيه الفساد من احتكار السلطة بيد الحزب أو الدولة؛ حيث يستغل المسؤولون مواقعهم لتحقيق مكاسب شخصية ويُشكلون طبقة بيروقراطية أعلى تستخدم المال العام لخدمة مصالحها الشخصية. هذا النوع من الفساد هو تموضع للسلطة حيث يصبح الوصول إلى المنصب وسيلة للثراء ويكون ذلك على حساب العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة.

من ناحية المقاومة: يتمتع النظام الاشتراكي بقوة الإرادة السياسية العالية والقدرة على التحرك السريع؛ فهو يستطيع شن حملات شاملة وقوية من أعلى الهرم إلى أسفله. لكن ضعفه يكمن إذا غابت الإرادة السياسية العليا أو إذا أصبح الفساد جزءًا لا يتجزأ من هرم السلطة مما يجعل محاربته شبه مستحيلة بسبب غياب الرقابة الخارجية المستقلة.

أما النظام الرأسمالي فتتمثل قوته في آليات المراقبة مثل الصحافة الحرة والمعارضة والقضاء المستقل نسبيًا التي تستطيع فضح الفضائح. لكن ضعفه يكمن أيضًا بأن المال يمكنه شراء النفوذ بشكل نظامي مما يجعل مقاومة فساد الأغنياء أمرًا صعبًا جدًا لأنهم يستطيعون تغيير القوانين لحماية أنفسهم.

الخلاصة:

يمكن القول إن الفساد في الرأسمالية هو إمساك المال بزمام الحكم بينما الفساد في الاشتراكية هو تحويل الحكم إلى امتياز خاص. ولا يمكن الجزم بأن أيهما أسهل مقاومة؛ إذ إن الاشتراكية تتفوق بالعزيمة والتنفيذ السريع لكنها تعجز عن تقييد السلطة بينما الرأسمالية تتفوق بأدوات الرقابة لكنها تعجز عن تقييد المال.

يمكن للقارئ تطبيق ما سبق على الحالة المصرية بناءً على ما يشاهده يوميًا فيما يتعلق بمعاملتنا وأسلوب إدارة الاقتصاد.