سياتل، فانكوفر، سياتل مرة أخرى، دالاس، أتلانتا – رحلت آلاف المصريين في كأس العالم 2026 شملت أربع مدن وقطعوا آلاف الكيلومترات على مدى قرابة العشرين يوماً، حتى انتهت أمام ملعب أتلانتا وفندق إقامة المنتخب المصري بعد خروجه من دور الـ16. ورغم ذلك، رافقهم الحماس والهتاف ذاته: “رجالة! رجالة! .. مصر! مصر! مصر!”.

كان إيهاب صبري، البالغ من العمر 51 عاماً، والذي يعيش في العاصمة الكندية “أوتاوا”، بين الجمهور المصري الذي ملأ المدرجات في ثلاث مباريات من أصل خمس خاضها المنتخب المصري في المونديال. كما كان من بين المحتفلين الذين جابوا الشوارع رافعين الأعلام المصرية خارج الملاعب وأمام مقر إقامة المنتخب.

انطلق إيهاب، وهو واحد من حوالي 105 آلاف مصري يقيمون في كندا، في رحلة كأس العالم للمرة الأولى. يقول: “تواجدنا في كل مكان هنا داعمين للمنتخب، ولم نصدق أننا وصلنا إلى تلك المرحلة”. ويضيف ضاحكاً: “عندما حجزت تذاكر مبارتي دور المجموعات مبكراً للحصول على أسعار مناسبة، لم أتوقع أبداً أن نصل إلى الدور الـ16 وأن أعافر للحصول على تذكرة بمبلغ 1200 دولار!”.

دفع إيهاب إجمالاً ما يتجاوز الخمسة آلاف دولار لحضوره مباراتي مصر وبلجيكا في سياتل ومصر ونيوزيلندا في فانكوفر وأخيراً المباراة مع الأرجنتين في أتلانتا. وقطع ما يقارب 13 ألف كيلومتر (8,077 ميلاً) متنقلاً بين مدينته أوتاوا ومحطات رحلته.

يقول إيهاب: “منذ تأهلت مصر إلى كأس العالم الذي تستضيفه كندا والولايات المتحدة والمكسيك، شعرت أن هذه فرصة لا يمكن إضاعتها. قررت أن أخوض هذه الرحلة بمفردي دون أسرتي؛ لأنها مُرهقة، كما أنني اخترت المبيت لليلة واحدة في أرخص الفنادق المتاحة بكل مدينة”.

وكان منتخب مصر قد تأهل لكأس العالم 2026 عن المجموعة السابعة بعدما قدم أداءً مميزاً دون خسارة خلال التصفيات، حيث سجل الفريق 19 هدفاً في تسع مباريات فقط، وكان لمحمد صلاح النصيب الأكبر منها برصيد 9 أهداف، وجاء كل من تريزيجيه وزيزو خلفه في قائمة الهدافين.

قلب بالأسهم يمينًا ويسارًا

وقع إيهاب الذي هاجر والده إلى كندا منذ منتصف الثمانينيات في غرام كرة القدم بعد نسخة كأس العالم 1994 التي استضافتها أيضاً الولايات المتحدة. يقول: “أتذكر أن والدي والكثير من أصدقائنا كانوا يتابعون هذه البطولة باهتمام رغم أن مصر لم تكن حاضرة فيها. منذ ذلك الوقت تمنيت أن أحضر نسخة تشارك فيها مصر”.

لكن تلك اللحظة التي كان يأمل أن تتحقق وهو مراهق لم تأتِ إلا بعد 24 عاماً عندما تأهلت مصر إلى مونديال روسيا 2018. ولم يتمكن إيهاب لأسباب عديدة منها بُعد المسافات وظروف عمله من الحضور حتى تكرر سيناريو 1994 مع حضور منتخب بلاده للمونديال الحالي.

في المدرجات التي غلب عليها اللون الأحمر كان الأمر مختلفاً تماماً. يقول إيهاب الذي استعد بعلم مصر والبوق والقبعة المكتوب عليها “مصر” بالإنجليزية: “كانت ليالي لا تُنسى”. ويحكي: “بعيدًا عن الأجواء وشعور الحماس الطاغي لدى المصريين، لقد فاجأنا أداء المنتخب؛ كانت مباراة نيوزيلندا استثنائية وطمعنا فيما هو أكثر وأبعد”.

لا يوجد تقدير رسمي لعدد جمهور كل منتخب إلا أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أعلن أن أكثر من 4.5 مليون شخص حضروا خلال مرحلة المجموعات من 210 دول مما شغل نسبة 99.7% من المقاعد متجاوزين الرقم القياسي للحضور البالغ 3.5 مليون متفرج الذي سُجل في بطولة 1994 بالولايات المتحدة.

ولم تتوفر للأغلبية التي تعيش في مصر فرصة الذهاب مثل إيهاب أو بعض المقيمين بالولايات المتحدة الذين تفوق أعدادهم الـ300 ألف نسمة (حسب مكتب التعداد الأمريكي) بسبب أسعار التذاكر وصعوبة التأشيرات. ومع ذلك فإن الجزء الصغير الذي حالفه الحظ جعل المدرجات مكتظة وكان بالإمكان سماع أصواتهم عندما واجه المنتخب كلاً من بلجيكا ونيوزيلندا وإيران وفي مرحلة خروج المغلوب أمام أستراليا والأرجنتين.

صحيح أن مباريات مصر ليست بين الأكثر بيعًا للتذاكر لكن المصريين كما يذكر إيهاب لم يكونوا داخل الملاعب فقط؛ فالكثير من أصدقائه وعائلته لم يتمكنوا من الحصول على تذاكر لكنهم ملأوا مناطق المشجعين. وبحسب الفيفا احتشد أكثر من 5.5 مليون مشجع خلال مهرجانات وساحات الدول المضيفة الثلاث خلال دور المجموعات وحده.

في الملاعب عاش إيهاب متعة التواجد وفرحة الفوز وأيضًا مرارة ضياع الفرص؛ وكان آخرها في مباراة الأرجنتين التي كادت فيها مصر أن تفجر مفاجأة مدوية بعد أن كانت متقدمة بهدفين مقابل لا شيء حتى الدقيقة 79 قبل أن يقلب ميسي ورفاقه النتيجة إلى 3-2 لصالحهم وسط غضب شديد بسبب الأداء التحكيمي.

يقول إيهاب: “كنا قريبين جداً” مثلما قال حسام حسن (مدرب المنتخب) بعد انتهاء اللقاء ويصف المشهد حوله: “اضطربت مشاعرنا خلال أربع دقائق بين فرحة وصدمة وحزن وغضب؛ والحقيقة لم يكن غضبنا بسبب الخسارة بل بسبب ما فعله حكم المباراة”.

بالنسبة لمصر ساد الغضب بسبب قرار الحكم بإلغاء هدف ثانٍ بداعي وجود خطأ قبل أكثر من 30 ثانية من تسجيله وشهدت المباراة انتقادات كبيرة للقرارات التحكيمية الفرنسية لفرانسوا لوتيكسييه. حيث قال المدرب حسام حسن غاضبًا: “هذا فوز غير مستحق للأرجنتين.. لن أشاهد كأس العالم مجددًا لأنه ليس فيها عدل؛ ربما يرغبون بترك بطل العالم موجودًا لأسباب تسويقية”.

أما مصطفى زيكو نجم المنتخب الذي سجل هدفًا رائعًا فقال وهو يبكي: “كان هناك ظلم لنا وقدّمنا مباراة كبيرة أمام بطل العالم ولا أعرف ماذا حدث بالشوط الثاني; هناك أمور غريبة حدثت والناس كلها رأتها”.

رغم كل شيء يرى إيهاب أن المنتخب المصري خرج خروج الكبار وجعله يعيش تجربة انتظرها سنوات طويلة استحقت كل هذا التعب وكل هذا المال كما يقول.

ربما اعتاد إيهاب على تجربة تشجيع الجيل الحالي لمنتخب مصر سواء في المونديال أو كأس الأمم الأفريقية التي شهدت إخفاقات متوالية رحلة مليئة بالتقلب والقلق والشك واستمر ذلك مع النسخة الحالية للمونديال قبل أن يُظهر المنتخب وجهًا مغايرًا ومذهلاً كما يصف تيتو جارسيا سانخوان مساعد المدرب السابق لمنتخب مصر بقوله: “يمتلك المنتخب أكثر من أسلوب للعب وعند اللاعب المصري شيء أصبح نادرًا؛ إنها كرة قدم الشارع حيث يعرف اللاعبون معنى القتال على كل كرة”.

واعتمد منتخب الفراعنة بصورة كبيرة على لاعبي الدوري المحلي حيث يلعب 17 من أصل 26 لاعباً استدعاهم حسام حسن بالدوري المصري ومن بينهم كانت هناك أهداف وركلات جزاء ودراما استدعت هتافات وتصفيق أعداد غفيرة من الجمهور المصري وبينهم إيهاب الذي ظل يفعل ذلك معهم حتى النهاية لمساندة المنتخب عقب المباراة الأخيرة أمام الأرجنتين.
وقال: “نحن فخورون جدًا يكفينا أننا شعرنا بوجودنا وعرفنا كيف نحتفل وكيف ننافس ونكون ندّاً لمنتخبات كبيرة والأهم أنه صار لنا ذكريات سعيدة بالمونديال وكسرنا النحس وخيبة الأمل التي ظلت سنوات طويلة”.

اقرأ أيضًا: