تعد السينما الذاكرة الحقيقية لأي حدث يمر بالبلاد، وعندما قامت ثورة 23 يوليو عام 1952، شارك في تأييدها صناع السينما من مخرجين ومؤلفين ومنتجين، حيث قدموا العديد من الأعمال التي رصدت هذا الحدث الذي غيّر وجه مصر أمام العالم. وقدمت مجموعة من الأفلام المتميزة التي تناولت كيفية الإعداد للثورة ونتائجها الإيجابية. ومع ذلك، هناك أفلام أخرى انتقدت الثورة وسلطت الضوء على سلبياتها وما عاناه المواطن من تأميم وتعسف، مثل “الكرنك” و”أهل القمة” و”احنا بتوع الأتوبيس”.
يرى المؤرخون أن السينما لم تقدم ثورة 23 يوليو بالصورة الكافية، ولا يوجد حتى الآن عمل فني يليق بقيمة الثورة الحقيقية، إلا من خلال مجموعة من الأفلام التي تحدثت عنها بشكل عام.
الله معنا وقصة الإطاحة بالملك
بدأت أفلام ثورة 23 يوليو مع فيلم “الله معنا” المأخوذ عن قصة الأديب إحسان عبد القدوس، والذي قام ببطولته عماد حمدي وفاتن حمامة ومحمود المليجي وشكري سرحان وماجدة، وإخراج أحمد بدرخان. يتناول الفيلم تنظيم الضباط الأحرار وينتهي بالإطاحة بالملك وتولي الجيش الحكم. وقد جاء عنوان الفيلم في صيغة ساخرة من العبارة الشهيرة المنقوشة على سيف الملك فاروق، مما يوحي بأن الله لا يمكن أن يكون مع الظالمين بل مع الساعين لإقامة العدالة والكرامة. ورغم أن الفيلم أنجز عام 1952 تقريبًا، فقد ظل ممنوعًا من العرض بسبب تطرقه الصريح للملك ووضع صورة محمد نجيب في خلفية الأحداث.
رد قلبي: ثالث أفضل الأفلام
يعتبر فيلم “رد قلبي” أحد أيقونات ثورة يوليو، حيث يتناول معاناة الشعب المصري قبل الثورة عبر قصة حب الأميرة إنجي ابنة الباشا لابن الفلاح البسيط علي الذي يصبح ضابطًا في الجيش. ويجسد الفيلم العدالة الاجتماعية بعد كسر الفروق الطبقية. تم تصنيف الفيلم في المركز الثالث عشر ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء النقاد عام 1996 خلال احتفالية مئوية السينما المصرية.
في بيتنا رجل ومطاردة البوليس الملكي
يتناول فيلم “في بيتنا رجل” أيضًا قصة إحسان عبد القدوس وإخراج بركات، حيث يرصد ملامح الغليان عند الشعب المصري قبل اندلاع الثورة. تدور أحداثه حول شاب ثوري يدعى إبراهيم حمدي (عمر الشريف) مطارد من البوليس السياسي الملكي، مما يجعله يختبئ في منزل أسرة بسيطة. يعكس الفيلم الصراع بين المطاردة والاختباء وبين الصمت والانفجار دون تناول الثورة بشكل مباشر.
الباب المفتوح وكسر قيود المجتمع
في فيلم “الباب المفتوح” المأخوذ عن قصة الأديبة لطيفة الزيات وإخراج هنري بركات وبطولة فاتن حمامة وصالح سليم وحسن يوسف، يربط الفيلم بين التحرر الوطني والتحرر الشخصي عبر شخصيات متعددة. تدور أحداثه حول فتاة بسيطة تسعى لكسر قيود المجتمع المحافظ وتحلم بالحرية والكرامة. تمثل البطلة رمزًا للمرأة المصرية التي بدأت تكتشف ذاتها مع بدايات التغيير المجتمعي الذي بشرت به ثورة يوليو.
القاهرة 30 وتفشي الفساد
يعرض فيلم “القاهرة 30” الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1966 والمأخوذ عن رواية نجيب محفوظ صورة قاتمة لمصر قبل الثورة حيث تتفشى الطبقية والفساد والمحسوبية. يكشف الفيلم الصراعات الطبقية والاجتماعية التي كانت تعصف بالمجتمع المصري في عهد الملكية من خلال قصة ثلاثة طلاب جامعيين من خلفيات مختلفة.
الأيدي الناعمة أصبحت عضوًا عاملًا
يعتبر فيلم “الأيدي الناعمة” من أهم الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية عام 1963. تدور أحداثه حول نزع ملكية أحد الأغنياء وهو أمير سابق بعد ثورة يوليو 1952 وكيف تحول إلى عضو عامل في المجتمع بعد القضاء على دولة الإقطاع.
غروب وشروق والعلاقات المعقدة
فيلم “غروب وشروق” الذي أخرجه كمال الشيخ وبطولة سعاد حسني ورشدي أباظة وصلاح ذو الفقار يعد من أهم الأفلام التي رصدت نهاية الحقبة الملكية. تدور أحداثه حول أسرة ضابط كبير في البوليس السياسي وترمز إلى الانحلال الأخلاقي والفساد السياسي قبل الثورة.
أما الأفلام التي انتقدت الثورة وسلطت الضوء على سلبياتها فكانت مثل “الكرنك” و”احنا بتوع الأتوبيس” و”أهل القمة” والتي أظهرت القمع والظلم الذي تعرض له المواطن.
الكرنك والقمع والتعذيب
فيلم “الكرنك” عبر عن حال المجتمع نتيجة سوء استخدام المسؤولين لصلاحياتهم بالقمع والتعذيب وكبت الحريات. يتناول الفيلم قصة مجموعة من الشباب الجامعي الذين يتم اعتقالهم دون جريمة بسبب تجمعهم في مقهى الكرنك وتعرضهم للتعذيب والإجبار على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها على يد الضابط خالد صفوان. ينتهي الفيلم بقيام ثورة التصحيح وإصدار قرار بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ليجد الضابط الكبير نفسه داخل المعتقل بعد أن كان هو مصدر التعذيب.

