شهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في حدة الجدل حول ملف الكلاب الضالة، الذي خرج سريعًا من نطاقه البيطري أو التوعوي ليتحول إلى فتنة مجتمعية حقيقية تقسم الشارع وتثير حالة من الاحتقان والتجاذب بين المواطنين، بعضه حقيقي وبعضه قد يكون مفتعلاً. وقد وصل الأمر إلى حد السباب والتهديدات والشجار والاعتداءات، بل ووصل إلى ساحات المحاكم.
تقتضي قواعد النقاش العقلاني التذكير بالبديهية الحاكمة لأي دولة أو مجتمع، وهي أن سلامة الإنسان وحياته وأمنه هي الأصل، وهي أولى من أي اعتبار آخر. إن السير في شوارع آمنة دون خوف على الأطفال والنساء والمواطنين هو حق أصيل. وتكفي جولة سريعة في الدول المتقدمة لنكتشف خلو شوارعها تمامًا من ظاهرة الكلاب الضالة السائبة، حيث تُطبق هناك قوانين صارمة للسيطرة على الفضاء العام.
وعلى النقيض من ذلك، يعاني الشارع المصري اليوم من زيادة مضطربة في حالات العقر، والتي وصلت إلى مستويات مرعبة؛ حيث أصبحت هذه الظاهرة تهديدًا مباشرًا للسلامة الجسدية. وفي أحيان كثيرة، تقوم أرباب وتجمعات الكلاب بتخويف ونهش المارة، خاصة الصغار والضعفاء بل وحتى الشباب والرجال الأصحاء. ومن الملاحظ أيضًا انتشار كلاب بمواصفات وسلوكيات وأحجام غريبة عن الأوساط المصرية، مما قد يشير إلى وجود سلالات دخيلة تختلف عن الكلب البلدي المتعارف عليه في مصر.
وما يثير الذهول ليس مجرد انتشار الكلاب الضالة وتوحشها على غير المألوف في مصر، بل السلوك الغريب للمجموعات المؤيدة لاستمرار تواجد الكلاب في الشوارع. فالنظرة الشائعة بينهم هي تفضيل الحيوان على الإنسان والتحقير من شأن الإنسان وسلامته ومصالحه مقارنة بهذا الحيوان الذي لا فائدة منه في المجتمع المصري بخلاف الحراسة المنزلية للكلاب التي لها حائز. كما يلحظ المتابع الجيد وجود عمل تنظيمي محكم ومثير للريبة تتداخل فيه أطراف وجهات أجنبية توجه كافة التفاصيل. وقد وصلت التدخلات إلى إملاء تفاصيل دقيقة للغاية، مثل الإصرار على إعادة الكلاب إلى نفس المناطق التي أُخذت منها بالضبط.
وهنا يبرز التساؤل الحقيقي عن المحرك الأساسي لهذه المجموعات: هل هو الرفق بالحيوان أم التربح المالي المباشر (بلازما الدم والتطعيمات وغيرها) والذي يعد أداة لجهات خارجية تستهدف غايات تخريبية ضمن إطار الحروب الحديثة؟ إن الشواهد تشير إلى وجود بيزنس ضخم يتغذى على هذه الأزمة؛ حيث يُلاحظ قيام بعض هذه المجموعات بإلقاء مخلفات الدواجن والمجازر للكلاب في الشوارع بدلاً من تقديم الأطعمة المخصصة (الدراي فوود)، وذلك للتربح من الفارق الكبير في أسعار كليهما وتوفير جزء كبير من التمويل والمنح الواردة من الخارج وتحويل الملف إلى مدخل لتحقيق أرباح شخصية لا تنتهي.
تزداد الريبة حين نتابع حجم الملاسنات والتجاذبات العنيفة والبذيئة التي تشتعل على منصات التواصل الاجتماعي بين الطرفين المؤيد والمعارض. إن القراءة المتأملة لهذه المشادات تظهر أن بعضها ينطوي على تمثيليات مفتعلة ومسرحيات متفق عليها لإبقاء حالة التوتر مستعرة ولضمان استمرار ضخ التمويلات وإظهار القضية وكأنها “معركة حقوقية” تستدعي الدعم الخارجي المستمر.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل جرى ترويج ادعاءات زائفة تزعم أن المساس بالكلاب الضالة هو السبب في ظهور الثعابين والتعالب في بعض المناطق! وهي ادعاءات تفتقر لأدنى درجات العلمية وقد أكد الخبراء والمتخصصون بطلانها تمامًا ونفوا وجود أي دور طبيعي للكلاب في مواجهة الثعابين. حيث يرى الخبراء المختصون أن القطط وحيوان النمس هما الأعداء الحقيقيون للثعابين مما يكشف حجم التضليل الممارس لترهيب المجتمع وفرض الأمر الواقع.
أبعاد الحروب الحديثة والدور الوطني المطلق
إن النظر إلى القضايا البيئية ببعد محلي ضيق يعد تساهلاً غير مقبول في ظل تطور أساليب الحروب الحديثة؛ فالتاريخ القريب والبعيد يخبرنا بأن التلاعب بالبيئة والاستخدام الاستراتيجي للآفات والحيوانات قد يُستخدم كأدوات ضغط أو تخريب ناعم للخصوم في وقت السلم والحرب على السواء. وما حدث من انتشار للفئران والآفات في غزة وما شهدته مصر إبان حرب الاستنزاف من انتشار للفئران (بتدبير من الكيان الصهيوني) ليس بعيدًا عن أذهان المحللين؛ إذ تظل فرضية المؤامرة الخارجية وإرباك الجبهة الداخلية واستنزاف الموارد المالية وتضييع وقت صناع ومتخذي القرار في قضايا جانبية تشغلهم عن القضايا التنموية أو الاستراتيجية.

