أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن كتاب “الجامع المسند الصحيح” للإمام البخاري يُعتبر من أعظم الإنجازات العلمية في تاريخ الحضارة الإسلامية. وأوضح أنه لم يكن مجرد كتاب لجمع السنة النبوية، بل مثّل تجسيدًا عمليًا لحضارة الإسناد والتوثيق التي أقامت المعرفة على قواعد دقيقة من التثبت والنقد والتمحيص.
جاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر الدولي “الجامع المسند الصحيح للإمام البخاري.. كتاب أمة وتجسيد علمي لحضارة الإسناد والتوثيق”، الذي عُقد في جمهورية أوزبكستان بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والمتخصصين في علوم الحديث من مختلف دول العالم.
إشادة باستضافة أوزبكستان للمؤتمر
استهل مفتي الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر لجمهورية أوزبكستان على تنظيم المؤتمر، مؤكدًا أن انعقاده في أرض الإمام البخاري يحمل دلالة علمية وحضارية عميقة، ويجسد الوفاء لأئمة الحديث الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السنة النبوية.
وأشار إلى أن صحيح الإمام البخاري أصبح تراثًا إنسانيًا ومنهجًا معرفيًا يُستلهم لمواجهة تحديات العصر، خاصةً في ظل اضطراب معايير نقل المعرفة وتداول الأخبار.
منهج المحدثين سبق المناهج الحديثة
أوضح مفتي الجمهورية أن السنة النبوية خضعت عبر تاريخها لأعلى درجات التحقيق والتدقيق. وقد ابتكر علماء الحديث منهجًا فريدًا في جمع الروايات ونقدها، قائمًا على دراسة الأسانيد والرحلة في طلب الحديث وتمحيص أحوال الرواة والتمييز بين الصحيح والضعيف.
وأضاف أن هذا المنهج سبق كثيرًا من المناهج الحديثة في التحقق من الأخبار وتمحيصها، حتى إن عددًا من المستشرقين شهدوا بدقته وريادته في توثيق الأخبار. وأشار إلى أن الإمام البخاري بلغ الذروة في تطبيق هذا المنهج من خلال صحيحه، الذي أظهر فيه عبقريته في نقد الروايات ومعرفته الدقيقة بعلل الحديث وفقهه العميق الذي انعكس في تراجم أبوابه.
ثمرة مدرسة علمية متكاملة
أكد “عياد” أن صحيح الإمام البخاري لم يكن جهدًا فرديًا معزولًا، بل ثمرة مدرسة علمية متكاملة خضعت للمراجعة والنقد منذ عصر مؤلفه وتلقته الأمة بالشرح والمدارسة والاستدراك جيلًا بعد جيل.
وأوضح أن الحكم بصحة الكتاب جاء نتيجة إجماع علمي تراكمي وليس اجتهادًا فرديًا، وهو ما يفسر مكانته العلمية الراسخة واستمرار حضوره في ميادين البحث والدراسة حتى اليوم.
الرد على الشبهات يكون بالبحث العلمي
أشار مفتي الجمهورية إلى أن الشبهات المثارة حول صحيح الإمام البخاري في العصر الحاضر لا تستهدف الكتاب نفسه، بل تستهدف تقويض حجية السنة النبوية ومصادر التشريع الإسلامي. ويعتمد مروجو هذه الشبهات على مناهج بعيدة عن قواعد علوم الحديث وضوابطها.
وشدد على ضرورة مواجهة هذه الدعاوى بإبراز المنهج العلمي الذي قام عليه الكتاب وتعريف الأجيال بأسس الإسناد والنقد والتمحيص وتفنيد الشبهات بالحجة والبرهان بعيدًا عن الانفعال أو الاقتصار على مجرد التلقي.
دعوة لإحياء علوم الحديث وترسيخ ثقافة التثبت
أكد “المفتي” أن من أهم واجبات المؤسسات العلمية اليوم تحويل الاعتزاز بالتراث الإسلامي إلى مشروع علمي مؤسسي متواصل يدعم البحث في علوم الحديث ويعنى بتحقيق المصنفات ويؤهل أجيالاً قادرة على قراءة هذا التراث وتقديمه للعالم بلغة علمية معاصرة.
وأضاف أن ذلك يسهم في ترسيخ ثقافة التثبت والانضباط العلمي في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه الحقائق بالدعاوى.
إشادة بدور الأزهر ودار الإفتاء
ثمن الدكتور نظير محمد عياد الجهود التي تبذلها المؤسسة الأزهرية جامعاً وجامعةً لصيانة التراث الإسلامي والدفاع عن مصادره المعتمدة وما تقدمه من دراسات علمية رصينة حول صحيح الإمام البخاري ومنهجه.
وأشاد بالدور الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية عبر مراكزها ووحداتها البحثية لتصحيح المفاهيم ومواجهة التأويلات المنحرفة وتعزيز الأمن الفكري وترسيخ الثقة بالمرجعية العلمية الوسطية.
واختتم مفتي الجمهورية كلمته بتوجيه الشكر لجمهورية أوزبكستان على جهودها في خدمة تراث الإمام البخاري. مؤكدًا أن العناية بهذا التراث تمثل خدمة للسنة النبوية وإحياءً لأحد أعظم مناهج التوثيق العلمي في تاريخ الإنسانية بما يعزز ثقافة الاعتدال ويرسخ الهوية الإسلامية ويصون الذاكرة العلمية للأمة.
اقرأ أيضًا:.
- مفتي الجمهورية: تمكين المرأة أحد ركائز مواجهة الفكر المتطرف
- برئاسة المفتي.. بدء فعاليات اليوم الثاني لمؤتمر الأزهر حول حقوق المرأة

