في ذكرى وفاته، ما معنى وصف القرآن لنبي الله يحيى بـ”حصورا”؟ يحتفل البعض في شهر صفر بذكرى استشهاد نبي الله يحيى على يد اليهود. وقد وصف الله تبارك وتعالى نبيه يحيى عليه الصلاة والسلام بالعديد من الصفات، حيث جعله سيدا وحصورا. فما معنى “حصورا”؟ هل هي انتقاص في حق نبي الله أم ميزة اختصه الله بها بعدما أعطاه النبوة في صباه؟ يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: {يا يحيى خُذِ الكتابَ بِقُوَّةٍ وءاتيناهُ الحُكمَ صَبِيًّا* وحنانًا مِنْ لدُنَّا وزكاةً وكانَ تقيًّا} [سورة مريم]. وفي السطور التالية، نستعرض معكم معنى وصف القرآن لنبي الله يحيى بـ”الحصور”.
نسبه وذكره عليه السلام في القرآن الكريم
هو يحيى بن زكريا، وينتهي نسبه إلى يعقوب عليه السلام. وهو من أنبياء بني إسرائيل كأبيه زكريا عليهما السلام، الذين بلّغوا الناس ما أمرهم الله بتبليغه وجاهدوا في الله حق جهاده. وقد ذُكر اسم يحيى عليه السلام في القرآن الكريم في أربع آيات، منها سور آل عمران والأنعام ومريم والأنبياء.
ولادته عليه السلام
ولد نبي الله يحيى عليه السلام قبل مولد عيسى بثلاثة أشهر، وقيل: بثلاث سنين. وكان ابن خالته وقد عاصروه وعاش معه فترة طويلة ورافق مراحل دعوته عليهما الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: {يا زكريَّا إنَّا نُبشِّرُكَ بِغُلامٍ اسمُهُ يحيى لمْ نجعل لهُ مِنْ قبلُ سَمِيًّا} [سورة مريم]. قيل: أي لم يسم أحد يحيى قبله، ووجه الفضيلة في ذلك أن الله تعالى تولّى تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق إليه.
صفاته وسيرته عليه السلام
كان يحيى عليه السلام حسن الصوت وحسن الوجه مثل جميع الأنبياء والمرسلين. وكان قويًا في طاعة الله منذ صباه وقد نشأ نشأة صلاح وتقى وطهر ونقاء كسائر الأنبياء. فقد كان بعيدًا عن مظاهر الترف والنعيم، وكان في شبابه يأوي إلى القفار والبراري ويكتفي بما يسهل الله له من الرزق، وكان طعامه العشب. كما كان كثير العبادة والتضرع والبكاء من خشية الله تعالى، وكثير العزلة عن الناس.
وقد أعطى الله تبارك وتعالى نبيه يحيى الحكم والنبوة والعلم صبيا وعلمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها فيما بينهم. يقول الله تعالى: {يا يحيى خُذِ الكِتابَ بقوَّةٍ وءاتَيناهُ الحُكمَ صبيًّا} [سورة مريم]. قيل أي تعلم التوراة بجد وحرص واجتهاد. وقد قيل إن الصبيان الذين كانوا في سن يحيى عليه السلام يقولون له: اذهب بنا نلعب فكان يقول لهم: ما للعب خُلِقنا.
قال الله تعالى أيضًا في وصف يحيى عليه السلام: {وحَنانًا مِنْ لدُنَّا وزكاةً وكانَ تَقِيًّا} [سورة مريم]. قيل: أي جعلناه ذا حنان أي ذا رحمة وزكاة، فقد كانت صفة الحنان والرحمة من صفات نبي الله يحيى لتحننه على الناس ولا سيما على أبويه وبره بهما. يقول تعالى أيضًا في وصف نبيه يحيى: {وبرًّا بوالِدَيْهِ ولمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [سورة مريم].
معنى وصف القرآن لنبي الله يحيى بالحصور
يقول تعالى في حق يحيى عليه السلام: {مُصَدِّقًا بِكلمةٍ مِنَ اللهِ وسيِّدًا وحصُورًا ونبيًّا مِنَ الصالحين} [سورة آل عمران]. وقد قال العلماء إن معنى قوله تعالى {مُصدِّقًا بكلمةٍ من الله} هو مصدق بعيسى ابن مريم لأنه أول من صدق بعيسى ابن مريم لأنه كان معاصرًا له وابن خالته. أما قوله تعالى {وسيِّدًا} فمعناه إنه الحليم التقي أو الشريف.
أما قوله {وحَصُورًا} فقد قال الفقيه المالكي القاضي عياض في كتابه الشفا أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان “حصورًا” ليس كما قال البعض إنه كان هيوباً أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذّاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا إنها نقيصة ولا تليق بالأنبياء عليهم السلام. وإنما معناه أنه لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات. والقول الصحيح أن معنى “وحصوراً” أنه كان لا يأتي النساء ليس عجزاً بل ترك ذلك عن اختيار منه ولو أراد لاستطاع.

