على ربوة صخرية مرتفعة جنوب مدينة الخارجة، يقف معبد الغويطة شاهدًا على أكثر من مرحلة من تاريخ الواحات المصرية، وعلى الدور الذي أدته الصحراء الغربية بوصفها معبرًا للقوافل ومركزًا للزراعة والتجارة والعبادة.

فالموقع، الذي يُعد ثاني أكبر معابد الوادي الجديد بعد معبد هيبس، لم يكن مبنى دينيًا منعزلًا، بل جزءًا من شبكة حياة متكاملة ارتبطت بدرب الأربعين، وخدمة القوافل التجارية، وتأمين الطرق الممتدة بين وادي النيل وعمق القارة الإفريقية.

البدايات الأولى واختلاف التأريخ

تشير الشواهد والنقوش إلى أن تاريخ معبد الغويطة يمتد إلى نحو 2500 عام. وقال الأثري محمد إبراهيم، مدير الآثار المصرية بالوادي الجديد، لمصراوي، إن بداية تشييد المعبد تعود إلى العصر الفارسي خلال حكم الأسرة السابعة والعشرين، قرابة عام 520 قبل الميلاد. وقد خُصص لعبادة ثالوث طيبة المقدس: آمون رع، وموت، وخنسو.

وأوضح إبراهيم أن المراجع الأثرية تكشف عن اختلاف في تحديد البداية الدقيقة للمعبد؛ فبينما تربط النقوش الباقية برنامجه الزخرفي بعهد داريوس الأول، تشير بيانات وزارة السياحة والآثار إلى تشييده في عصر الأسرة الخامسة والعشرين واستكماله في العصر البطلمي. يعكس هذا الاختلاف تعدد مراحل البناء وإعادة الاستخدام، لا سيما مع وجود دلائل على مقصورة أقدم أُدمجت لاحقًا داخل البناء القائم.

كما أشار إبراهيم إلى أن أهل الواحات أطلقوا على الموقع اسم “الغويطة” بمعنى “الحقل الصغير” لوجوده وسط الأراضي الزراعية. وعُرف المعبد كذلك باسم “بر أوسخت” أي “البيت الواسع” وهو الاسم الذي ارتبط بالموقع في المصادر الأثرية.

حمل معبد الغويطة بصمات عصور متعاقبة؛ ففي الجزء الأقدم تظهر خراطيش للملك داريوس الأول، بينما شهد العصر البطلمي توسعات معمارية وزخرفية بارزة.

وقال محمد إبراهيم إن النقوش تضم أسماء بطليموس الثالث “يورجتيس” وبطليموس الرابع “فيلوباتر”، إلى جانب منظر غير مكتمل نُسب إلى بطليموس العاشر.

وأضاف أنه توضح بعثة جامعة ييل أن الصورة الحالية للمعبد ارتبطت أساسًا بعهدي داريوس الأول وبطليموس الثالث، مع إضافات من بطليموس الرابع وبطليموس التاسع. ويضم البناء فناءً أماميًا وقاعة أعمدة ذات أربعة أساطين ودهليزًا وثلاث حجرات داخلية تتصدرها مقصورة مركزية تحمل مشاهد للملك وهو يقدم القرابين إلى آمون وموت وخنسو.

وأشار إلى أنه خلال العصر البطلمي اتسع دور معبد الغويطة بوصفه مركزًا دينيًا واقتصاديًا في منطقة اشتهرت بزراعة الكروم وصناعة النبيذ. وكانت منتجات الواحات تُنقل عبر القوافل التجارية إلى وادي النيل ما منح الموقع أهمية تتجاوز الشعائر الدينية إلى إدارة الحركة الاقتصادية المحيطة به.

درب الأربعين وحراسة القوافل

يرتفع معبد الغويطة نحو 70 مترًا فوق الأرض المحيطة ويشرف على درب الأربعين أحد أشهر طرق التجارة الصحراوية القديمة.

وقال الخبير الأثري بهجت أحمد إبراهيم أبو صديرة، مدير الآثار المصرية السابق بالمحافظة لمصراوي إن درب الأربعين كان يربط وادي النيل بدارفور في السودان مرورًا بالواحات. وقد مثّل الموقع محطة لاستراحة القوافل التجارية والتزود بالمؤن والمياه.

وأضاف أبو صديرة أن القوافل التجارية كانت تسدد رسوم التأمين والضرائب قبل مواصلة رحلاتها بينما أتاحت الربوة المرتفعة للقوات مراقبة درب الأربعين ورصد أي هجمات محتملة. كما ارتبط الموقع بدرب بولاق الذي كان يصل الواحات بوادي النيل لتصبح المنطقة نقطة التقاء بين طرق الصحراء ومسارات التجارة الداخلية.

حصن روماني فوق المعبد

في العصر الروماني اكتسب معبد الغويطة وظيفة دفاعية أكثر وضوحًا. وقال أبو صديرة إن مباني من الطوب اللبن أضيفت حول جسم المعبد المشيد من الحجر الرملي واستخدمت مخازن وحجرات للحراسة ضمن منظومة هدفت إلى حماية القوافل التجارية وتأمين درب الأربعين ودروب الصحراء.

وأوضح أبو صديرة أن الجنود الرومان استخدموا المباني الملحقة كنقاط للمراقبة بينما أحيط الموقع بسور ضخم وأبراج دفاعية. يكشف هذا التخطيط كيف تحوّل المعبد تدريجيًا من مركز للعبادة في العصر البطلمي إلى حصن يراقب حركة التجارة ويحمي موارد المنطقة.

بدأت أعمال التنقيب الحديثة في معبد الغويطة على يد عالم الآثار أحمد فخري عام 1972 حين جرى تنظيف أجزاء من المعبد والكشف عن حجراته الداخلية. وبعد ذلك نفذت جامعة ييل مشروع جبل الغويطة بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار وأسهمت أعمالها في توضيح المراحل المعمارية للمقصورة المركزية والنقوش المرتبطة بداريوس والبطالمة.

وكشفت الحفائر عن جبانة شرقية تعود إلى الدولة الوسطى بالإضافة إلى بقايا مدينة سكنية شمال المعبد ترجع إلى عصر الانتقال الثاني مما يشير إلى أن المنطقة كانت مأهولة قبل اكتمال الصورة المعمارية المعروفة للمعبد بقرون. هذا ما أكده أبو صديرة موضحا أنه لا تزال بعض نتائج الحفائر قيد الدراسة ولم تُنشر جميع التفاصيل العلمية حتى الآن.

نقوش قبطية وسياحة ثقافية

يرجح أبو صديرة أن الموقع شهد استخدامًا دينيًا خلال العصر القبطي استنادًا إلى أسماء رهبان ونقوش ظهرت على بعض الجدران مما يضيف فصلًا جديدًا إلى سيرة معبد الغويطة الذي انتقل بين العبادة المصرية القديمة والتوسعات في العصر البطلمي والتحصين الروماني ثم حضور محتمل في الحقبة القبطية.

وقال محسن عبد المنعم الصايغ مدير الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة بالوادي الجديد لمصراوي إن معبد الغويطة يعد من أبرز مواقع السياحة الثقافية في الواحات لما يحمله من نقوش وتفاصيل تكشف تطور العبادة والتجارة والحياة الاجتماعية. وأكد أن بقايا الموقع لا تزال محفوظة بصورة لافتة رغم تأثير المناخ والظروف البيئية.

يظل معبد الغويطة المطل على درب الأربعين سجلًا مفتوحًا لتاريخ الوادي الجديد؛ فمن داخله يمكن قراءة آثار داريوس وملوك العصر البطلمي ومن أسواره يمكن تصور القوافل التجارية وهي تعبر الصحراء حاملة محاصيل الواحات ومنتجاتها بين مصر والسودان قديمًا.