في عالم الطيران، لم يعد المطار مجرد بوابة لعبور المسافرين، بل أصبح مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، ومحركًا للاستثمار والسياحة والتجارة، وأحد أهم مؤشرات قدرة الدول على المنافسة الإقليمية. ومن هنا تأتي أهمية التحركات التي يقودها الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، لوضع اللمسات النهائية على برنامج طرح إدارة وتشغيل مطار الغردقة الدولي بالشراكة مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC).

هذه الخطوة تستحق القراءة بعيدًا عن الانطباعات السريعة، لأنها تعكس تحولًا في فلسفة إدارة المطارات المصرية، من الاعتماد على الإدارة التقليدية إلى تبني نماذج تشغيل احترافية تستفيد من الخبرات العالمية، مع احتفاظ الدولة الكامل بملكية أصولها وسيادتها عليها. ولعل أكثر ما يميز هذا التوجه أنه لا يقوم على فكرة “البيع” كما قد يروج البعض، وإنما على مفهوم الشراكة من أجل رفع كفاءة التشغيل وتعظيم العائد الاقتصادي. فالدولة لا تتخلى عن أصولها، وإنما تبحث عن أفضل السبل لإدارتها بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويرفع مستوى الخدمات ويزيد من تنافسية المطارات المصرية.

اختيار مطار الغردقة لم يكن مصادفة. فهو أحد أهم المطارات السياحية في الشرق الأوسط ويستقبل ملايين السائحين سنويًا ويشكل البوابة الرئيسية لسياحة البحر الأحمر. وبالتالي فإن أي تطوير في أسلوب إدارته سينعكس مباشرة على تجربة السائح وعلى شركات الطيران وعلى الاقتصاد المحلي.

اللافت أيضًا أن البرنامج يتم بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، وهي جهة تمتلك خبرات واسعة في تصميم مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وهذا يمنح المشروع قدرًا أكبر من الاحترافية والشفافية ويعزز ثقة المستثمرين في آليات الطرح وإدارة التعاقدات. لكن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بتوقيع العقود، وإنما بقدرة النموذج الجديد على تحقيق نتائج ملموسة؛ زيادة في الطاقة الاستيعابية وتحسين في زمن إنهاء الإجراءات ورفع جودة الخدمات وتعظيم الإيرادات غير الملاحية وخلق بيئة أكثر جاذبية لشركات الطيران والاستثمار. كما أن نقل الخبرات إلى الكوادر المصرية يمثل أحد أهم المكاسب المنتظرة؛ فالشراكة الناجحة لا تقتصر على ضخ استثمارات أو تحديث معدات، وإنما تبني الإنسان القادر على إدارة وتشغيل منظومة حديثة وفق المعايير الدولية.

من زاوية أوسع، فإن هذه الخطوة تنسجم مع رؤية الدولة لتمكين القطاع الخاص باعتباره شريكًا في التنمية وتدعم مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تضع تطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني في مقدمة أولوياتها. ويبقى الرهان الأكبر هو أن يصبح مطار الغردقة نموذجًا يمكن البناء عليه في تطوير وإدارة مطارات مصرية أخرى وفق معايير واضحة توازن بين الحفاظ على الأصول الوطنية وتحقيق أعلى كفاءة تشغيلية ممكنة.

همسة أخيرة: الدول لا تُقاس بعدد المطارات التي تمتلكها بل بكيفية إدارتها. وعندما تتحول المطارات إلى منصات استثمارية متطورة ومراكز لوجستية وسياحية متكاملة، فإنها لا تخدم قطاع الطيران وحده بل تصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي. وإذا نجحت تجربة الغردقة كما هو مخطط لها، فإنها قد تمثل بداية مرحلة جديدة تكتب فيها المطارات المصرية فصلًا مختلفًا عنوانه: إدارة عالمية وسيادة مصرية كاملة.