أكره الحديث عن صندوق النقد الدولي بقدر كراهيتي لسماع خطابات الحكومة التي تتحدث عن “الأشد فقرًا” و”الأولى بالرعاية”، أو حماية الفئات “الأكثر احتياجًا”. فكلها مصطلحات شوهت مسامعنا بعد دخولنا في مصيدة “الصندوق”.
دافع العودة إلى ما أكرهه هو خبر تداولته الصحف يفيد بتأكيدات “الصندوق” بأن مصر مستعدة لزيادة أسعار الطاقة مجددًا وقبل الموعد المخطط في حال ارتفاع أسعار النفط عالميًا. ثم جاءت تصريحات الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي، لتزيد من دواعي العودة إلى ما أكره، حيث أكد “معيط” في فيديو نشره مركز معلومات مجلس الوزراء أن مصر التزمت بسداد المستحقات المقررة عليها وفق البرامج المتفق عليها، وأن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري يسير ضمن الإطار الزمني المحدد، مما يعزز من استدامة التمويل الخارجي وتخفيف أعباء الديون تدريجيًا حتى تصفيرها بحلول عام 2047!
عقدان من الزمن يفصلاننا عن “ساعة التصفير” التي أشار إليها المدير التنفيذي للصندوق. وعقود مرت على مقدمة كتاب أحمد بهاء الدين “أيام لها تاريخ” الذي بدأه بسؤال للقارئ العزيز: هل عرفت أحدث تعريف للإنسان؟ ثم يجيب بسرد الأقوال بأن الإنسان حيوان ناطق، ثم ضاحك، ثم عاقل، ويخبرنا بأن العلماء اهتدوا إلى التعريف الدقيق بأن الإنسان حيوان ذو تاريخ!
ليصل “بهاء الدين” إلى غايته والمعنى الذي يريده، بأن الميزة الأولى للإنسان التي تميزه عن غيره من المخلوقات هي أن كل جيل يعرف تجارب الجيل الذي سبقه ويستفيد منها. بهذه الميزة يتطور الإنسان، على عكس الحيوان الذي كان يعيش في الأرض منذ ألف سنة والذي لا يمكن أن يختلف عن سلالته اليوم في الصفات والطباع ونوع الحياة.
ثم يضرب لنا “أحمد بهاء الدين” مثلًا بأنك تستطيع اليوم أن تصطاد الفأر الذي تجده في بيتك بنفس الطريقة التي كان يتم اصطياده بها منذ زمن قديم: مصيدة وقطعة من الجبن. ولو كان في بيتك عشرة فئران لاستطعت أن تتصيدها واحدًا بعد الآخر بنفس المصيدة وقطعة الجبن. ذلك لأن الفئران ليس لها تاريخ ولا تستفيد من تجاربها. هي لا تعرف أنه في اليوم السابق دخل فأر ليأكل قطعة الجبن فأغلقت عليه المصيدة. قد تعرف ولكنها لا تدرك المغزى، فلا تتحاشى أبدًا قطعة الجبن. أما الإنسان فإنه يعرف ما أصاب أسلافه بالأمس ومنذ مائة سنة ومنذ آلاف السنين، فهو قادر على أن يتجنب أخطاءهم ويستفيد من تجاربهم وهذا هو التقدم.
ويبدو أن حكومتنا الرشيدة لم تقرأ تاريخ الصندوق جيدًا ولم تعه. ففي كتاب “صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية” تأليف أرنست فولف، ترجمة د. عدنان عباس علي، نرى قطعة الجبن ونرى المصيدة بوضوح شديد. نرى ما فعلته المصيدة من ابتزاز دول وتجريد أجيال من الحلم بمستقبل أفضل. نرى ممارسات تعيد للأذهان أبشع عصور الكولونيالية كما يصفها المُترجم. ويتعجب الكتاب ونتعجب معه من زعم الصندوق أن من بين مهامه وأهدافه مساعدة الدول على صياغة مناهج تؤدي إلى تنمية مستدامة ورخاء متزايد. وبعد عقود من تقديم هذه المساعدات تكتشف المصيدة؛ فتتفاقم مديونيات الدول التي لجأت إليه باعتباره الملاذ الأخير وتتسع دائرة الفقر بلا هوادة.
ضرب لنا مؤلف الكتاب أمثلة عديدة ونماذج كثيرة، منها الأرجنتين التي كانت في الماضي أكثر دول أمريكا الجنوبية ازدهارًا وأصبحت خلال سنوات مأوى للفقراء وكابوسًا اجتماعيًا للكثيرين بسبب سياسات “الصندوق”. وعلى الرغم من التدهور الذي أصاب البلاد في تسعينيات القرن الماضي والسنوات الأولى من الألفية الجديدة، فإن هذا التدهور الملموس كما يقول الكتاب لم يمنع “الصندوق” من مواصلة الإشادة بالأرجنتين ووصفها أمام العالم بـ”التلميذ النموذجي” والمثال الساطع على فاعلية برامج التكيف الهيكلي!
ثم تأتي لحظة الحقيقة الكاشفة؛ بعد اضطرابات وأحداث مأساوية نتيجة انهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي شهدتها الأرجنتين في ديسمبر 2001 علق الناطق الرسمي باسم الصندوق متنصلًا: إن برنامج الأرجنتين الاقتصادي تمت صياغته بواسطة الحكومة بهدف التخلص من العجز السائد في الموازنة وأنه تم إقراره أيضًا من قبل الكونجرس.
الخلاصة: يقول أحمد بهاء الدين في مقدمة كتابه الذي أشرنا إليه: إن الإنسان لا يولد وعبرة التاريخ في جوفه.. ولكنه يتعلم.. ثم يستخلص العبر من الأحداث حول أي شيء تدل وفي أي طريق يمضي. التاريخ هو الفارق بين الإنسان الواعي وغير الواعي؛ فالإنسان غير الواعي لا يرى إلا قطعة الجبن بينما الإنسان الواعي يرى قطعة الجبن ويرى المصيدة!
حفظ الله مصر وشعبها من مصيدة الصندوق وأتباعه.

