قال رامي إبراهيم، الباحث في العلاقات الدولية، إن مصر تمثل المعادلة الأهم في منظومة أمن الشرق الأوسط، مؤكدًا أنه لا يمكن تحقيق استقرار إقليمي مستدام دون دور مصري فاعل. وأوضح أن الثقل السياسي والجغرافي لمصر، إلى جانب قدراتها العسكرية ودورها المحوري في قضايا المنطقة، يجعل القاهرة طرفًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات أمنية جديدة.

وأضاف إبراهيم أن مصر تستطيع التعاون مع تركيا والسعودية وباكستان في ملفات أمنية محددة، مع الحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي وعدم الارتهان لأي محور أمني بعينه. وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد حاليًا مرحلة من إعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي، في ظل مساعٍ متزايدة لتقليل الاعتماد على مظلة الحماية الأمريكية، التي أظهرت قدرًا من القصور في مواجهة الهجمات الإيرانية المتكررة التي طالت دول الخليج، فضلًا عن التهديدات التي استهدفت حركة الملاحة وسفن النفط في مضيق هرمز.

وأفاد بأن هذا الواقع يدفع دول المنطقة إلى بناء تحالفات أمنية وعسكرية جديدة وتوقيع اتفاقيات للدفاع المشترك بهدف تنويع مصادر الحماية وتعزيز القدرة على الردع. لكنه أوضح أن ذلك لا يعني بالضرورة استبدال الولايات المتحدة أو استبعادها من منظومة الأمن الإقليمي.

كما أشار رامي إبراهيم إلى أن هذه الترتيبات الأمنية تضمنت توقيع السعودية وتركيا وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك” في 7 أغسطس الجاري، بهدف بناء قدرات وترتيبات أمنية إقليمية كجزء من تنويع مصادر الردع والأمن الإقليمي. وقد جاء اختيار السعودية لتوقيع الاتفاق نظرًا لحاجتها للأمن ولأنها تقع في محيط ملتهب يشهد توترات متسارعة وتعرضت لهجمات متكررة من إيران ووكلائها في المنطقة. كما يمنح الاتفاق السعودية ثقلاً اقتصاديًا وسياسيًا، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وتضيف باكستان خبرة عسكرية وقدرات استراتيجية كبيرة.

ورأى رامي إبراهيم أن عدم انضمام مصر لاتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لا يعني بالضرورة رفض القاهرة للتعاون العسكري مع الدول الثلاث. بل يعود الأمر إلى طبيعة العقيدة المصرية التي تميل منذ عقود إلى تجنب الانضمام لأحلاف أو اتفاقيات دفاعية ملزمة للحفاظ على حرية واستقلالية القرار العسكري دون الارتباط بمعاهدات تفرض عليها التدخل تلقائيًا في أي نزاع تتعرض له دولة حليفة.

وأشار الباحث إلى أن مصر تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والشراكات والتدريبات العسكرية مع العديد من الدول، مما يمنحها هامشًا أكبر في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية دون الدخول في تحالف دفاعي جماعي قد يحد من قدرتها على الموازنة بين هذه العلاقات.

وأكد رامي إبراهيم أن عدم مشاركة مصر في اتفاق مكة لا ينبغي تفسيره حاليًا باعتباره موقفًا سياسيًا أو خلافا مع الدول الثلاث، خصوصا وأن القاهرة لم تعلن عن موقفها رسميًا. وأضاف أن مصر جزءٌ من إعادة تشكيل الأمن الإقليمي دون الانضمام “لاتفاق مكة للدفاع المشترك”.

كما أشار إلى أن انضمام مصر إلى “اتفاق مكة” من عدمه يعتمد على تقدير القيادات المصرية المعنية بهذا الشأن، ضمن اعتبارات الأمن القومي المصري والعربي والأفريقي. تسعى القاهرة للحفاظ على دورها كدولة محورية داعمة للسلام والاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر اعتمادها على الوساطة والحوار في التعامل مع الأزمات مستفيدةً من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.

وأوضح رامي إبراهيم أن الحفاظ على هامش واسع من الاستقلالية وعدم الارتباط بأحلاف دفاعية ملزمة يساعد مصر على الاستمرار في أداء دورها كوسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف مما يعزز قدرتها على المساهمة في تسوية النزاعات ودعم الاستقرار الإقليمي.