شهدت المجتمعات الإنسانية في العقود الأخيرة طفرة غير مسبوقة في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، مما أدى إلى تغيرات جذرية في الوعي الإدراكي والنفسي للأجيال الجديدة. ولم يعد طفل اليوم هو نفس طفل منتصف القرن الماضي؛ فقد تسارع النمو العقلي والمعرفي بشكل جعل الفواصل الزمنية التقليدية لتعريف “الطفولة” بحاجة إلى إعادة نظر جادة. من هنا، ينبع مقترح وطني واستراتيجي ملح: آن الأوان لأن تدعو مصر إلى مؤتمر للأمم المتحدة لتعديل نصوص الاتفاقيات الدولية لخفض سن البلوغ الجنائي، يعقبها تعديل لازم في قانون الطفل المصري لحماية المجتمع وضمان العدالة.

أولاً
البعد القانوني:
تستند الفكرة قانونياً إلى مبدأ جوهري في فلسفة العقاب، وهو التناسب بين الإدراك والمسؤولية.

ثانياً
الفجوة في التشريعات الحالية:
حددت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1989 إطاراً عاماً للطفولة ينتهي عند سن الـ 18. ورغم أن الاتفاقية تركت هامشاً للدول لتحديد سن المسؤولية الجنائية، إلا أن الضغوط والأدبيات الدولية دأبت على رفع هذا السن.

ثالثاً
الواقع العملي الفج:
نشهد اليوم جرائم نوعية خطيرة (كالقتل العمد، والجرائم الإلكترونية المنظمة، والاعتداءات الجسيمة) يرتكبها يافعون في سن الـ 15 والـ 16 بكامل الوعي والتخطيط، مستغلين الحصانة القانونية التي تمنع إيقاع العقوبات الردعية عليهم، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الضحايا وإفلات الجناة من العقاب الرادع بموجب قوانين الطفل الحالية.

الأساس القانوني للتعديل:
تعديل نصوص الاتفاقيات الدولية يسمح بإعادة تعريف “المراهق المسؤول جنائياً” وتخفيض هذا السن (ليكون 14 أو 15 عاماً مثلاً في الجرائم الجسيمة)، مما يمنح المشرع الوطني (في قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008) الغطاء التشريعي الدولي لتعديل مواد العقاب، والنزول بسن المسؤولية الجنائية الكاملة أو التدريجية بما يتناسب مع خطورة الجرم.

البعد السياسي: مصر واستعادة الريادة التشريعية الدولية
إن دعوة مصر لعقد مؤتمر أممي بهذا الحجم ليست مجرد خطوة إجرائية، بل هي مناورة سياسية ودبلوماسية رفيعة المستوى تحقق مكاسب استراتيجية عدة:.

أولها
ريادة دبلوماسية ودولية:
لطالما كانت مصر منارة للتشريع في الشرق الأوسط وإفريقيا. قيادة مصر لحراك دولي لتعديل اتفاقية أممية يضع الدبلوماسية المصرية في صدارة المشهد القانوني العالمي، ويعيد تقديمها كدولة فاعلة في تطوير القانون الدولي ليتواكب مع العصر.

ثانياً
حماية الأمن القومي والمجتمعي:
سياسياً، ترتكز شرعية أي نظام على قدرته على تحقيق الأمن والعدالة الناجزة. خفض سن البلوغ الجنائي يسد ثغرة قانونية تستغلها أحياناً جماعات الجريمة المنظمة أو الإرهابية لتجنيد القصر، ظناً منهم أنهم بعيدون عن طائلة القانون الصارم.

ثالثاً
بناء تحالفات دولية جديدة:
مصر لن تكون وحيدة في هذا المسعى؛ فالعديد من الدول الأوروبية والعربية تعاني من نفس المعضلة وتشهد نقاشات برلمانية ساخنة حول خفض سن المحاكمة الجنائية للشباب. قيادة مصر لهذا الملف ستلقى دعماً واسعاً من دول كبرى تبحث عن مخرج قانوني دولي مماثل.

ولنتفق جميعا أننا نسعى نحو عدالة تحمي الجميع. إن المطالبة بخفض سن البلوغ الجنائي لا تعني النكوص عن حماية الطفولة أو التخلي عن قيم إعادة التأهيل والتقويم، بل تعني مواجهة الواقع بشجاعة. العدالة لا يمكن أن تكون عرجاء تحمي الجاني لمجرد شهور تفصله عن سن الثامنة عشرة، وتهدر دم الضحية. لقد حان الوقت لتتحرك الدولة المصرية، عبر دبلوماسيتها العريقة، لتقود العالم نحو صياغة عقد قانوني دولي جديد يتناسب مع معطيات القرن الحادي والعشرين، لتتبعه ثورة تشريعية في الداخل تصحح مسار قانون الطفل وتضمن سلامة المجتمع.

كاتبة المقال: المستشارة القانونية ورئيس لجنة الشئون القانونية بتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين ومؤسس مبادرة التوعية القانونية للمدارس.