يتساءل البعض، وهو محق: كيف تكون مصر فقيرة، وهي تملك من مقومات الثروة ما يكفي لتكون واحدة من أهم الاقتصادات في المنطقة؟

نملك النيل، وقناة السويس، والغاز، والبحرين، والأرض الزراعية، وآثارًا لا ينافسنا فيها أحد، وموقعًا يتوسط العالم، وسوقًا يقترب سكانها من 120 مليون نسمة، وثروة بشرية هائلة، وشبابًا يفترض أن يكونوا وقود المستقبل. لدينا السياحة والصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية والطاقة الشمسية والرياح وملايين المصريين في الخارج.

ومع ذلك، هناك فجوة مؤلمة بين مصر التي نراها في أرقام الموارد ومصر التي يعيشها المواطن في تفاصيل يومه. فأين الخلل؟

القرآن لا يقدم وصفة اقتصادية مباشرة، لكنه يلفت النظر إلى قيمة العمل وحسن التدبير: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. والسؤال هنا: هل نستثمر مواردنا بما يكفي؟ وهل نحولها إلى إنتاج وقيمة مضافة أم نكتفي بامتلاكها؟

الثروة ليست مجرد امتلاك الغاز، بل تتطلب بناء صناعة حوله. وليست مجرد امتلاك القطن، بل تحويله إلى غزل ونسيج وملابس تُصدّر للعالم. وليست مجرد آثار بل يجب أن نجعل السياحة صناعة متكاملة عالية العائد. وليست مجرد قناة السويس بل ينبغي جعل المنطقة المحيطة بها مركزًا عالميًا للصناعة والخدمات واللوجستيات.

المشكلة إذن ليست في “ماذا نملك؟” وإنما في كيفية إدارة ما نملك. وهنا تأتي قضية الديون.

الاقتراض ليس خطيئة اقتصادية إذا تم توجيهه نحو استثمار مُنتِج يُحقق عائدًا يفوق تكلفته. لكن الخطر يكمن عندما يتحول الدين إلى دائرة مُغلقة: نقترض ثم نسدد فوائد وأقساطًا مما يُضيّق الموارد المتاحة للاستثمار فنحتاج إلى اقتراض جديد.

قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. والسؤال ليس فقط: كم اقترضنا؟ بل: أين ذهب المال؟ وماذا أنتج؟ وكم عاد على الاقتصاد والمواطن؟

مصر مطالبة سنويًا بتدبير عشرات المليارات من الدولارات لخدمة ديونها وهذه الأموال لا تذهب إلى مصنع جديد أو مدرسة أو مستشفى؛ إنها تذهب إلى الماضي بينما نحن بحاجة إلى تمويل المستقبل.

وهنا تصبح الدائرة جهنمية: دين يحتاج إلى دين وفوائد تقلل القدرة على الاستثمار وضعف الاستثمار يحد من النمو وضعف النمو يزيد الحاجة إلى التمويل. فمن أدخلنا هذه الدائرة؟

هل كانت كل قرارات الاقتراض ضرورية؟ وهل ذهبت القروض إلى مشروعات تزيد القدرة الإنتاجية وتولد الدولار؟ وهل كانت الأولويات الاقتصادية مرتبة على أساس العائد أم على أساس ما يبدو ضخمًا ومرئيًا؟

أسئلة لا ينبغي أن نخاف منها لأن الاقتصاد لا يتقدم بالمجاملة. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”. نحن بحاجة إلى مراجعة اقتصادية صريحة: ما الذي نجح؟ ما الذي أخفق؟ ما الذي يجب أن يستمر وما الذي ينبغي أن يتوقف؟

والخروج من الدائرة لن يكون بقرض جديد كلما اقترب موعد السداد ولا ببيع أصل كلما ضاقت السيولة وإنما ببناء اقتصاد ينتج الدولار بدلًا من البحث عنه.

نريد صناعة تصدر وزراعة تحقق قيمة مضافة وسياحة تنفق أكثر وقناة سويس تحيط بها صناعة وخدمات عالمية وشباب يتحولون من طالبي وظائف إلى صانعي قيمة وتعليمًا ينتج المهارة لا الشهادة وقطاعًا خاصًا قادرًا على الاستثمار والتوسع والتصدير.

قال رسول الله ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”. ولعل هذه هي الكلمة المفتاحية في أزمتنا: الإتقان. إتقان إدارة المال العام وإتقان اختيار المشروعات وإتقان الصناعة وإتقان التعليم وإتقان استغلال الموارد.

مصر ليست فقيرة في الموارد ولكنها تحتاج إلى التحول من بلد غني بما تملك إلى بلد غني بما تنتج. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغلنا الآن: كيف نخرج من اقتصاد يطارد الدولار لسداد الديون إلى اقتصاد يصنع الدولار لتمويل المستقبل؟

إذا أجبنا عن هذا السؤال بصدق فقد لا تحتاج مصر إلى معجزة؛ فالمعجزات الاقتصادية لا تُصنع من الموارد وحدها بل تحتاج أيضًا لحسن الإدارة والإنتاج والانضباط والمساءلة واستمرار الرؤية.