أوضحت دار الإفتاء المصرية أن الهبة تُعتبر من أجَلِّ محاسن الشريعة الغرَّاء، وأحد أبرز صنوف البر والإحسان ومكارم الأخلاق. فهي تهدف إلى استجلاب المودة، وتعزيز الروابط الأسرية، وبث روح السخاء والتراحم والألفة بين أفراد المجتمع. وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، كما أخرجه الإمامان: البخاري في “الأدب المفرد”، والبيهقي في “السنن الكبرى”.
تعريف الهبة وحكمها الشرعي
وأضافت دار الإفتاء أن إعطاء شخص لآخر شيئًا على سبيل التمليك، بشرط أن يكون المُعطي بالغًا وعاقلًا وكامل الأهلية، دون مقابل مالي أو غيره، يُعدُّ هبة. فهي في جوهرها تمليك محض يتم عبر تبرع واختيار، وهي أمرٌ جائز شرعًا.
قال الإمام أبو بكر الزبيدي في “الجوهرة النيرة” (1/ 324، ط. المطبعة الخيرية): [الهبة في اللغة تعني التبرع، وفي الشرع تعني تمليك الأعيان بلا عوض، وهي جائزة] اهـ.
كما نقل الإجماع على استحبابها عدد من الأئمة.
قال الإمام الزيلعي في “تبيين الحقائق” (5/ 91، ط. المطبعة الكبرى الأميرية): [وهي مشروعة مندوب إليها بالإجماع] اهـ.
أثر قبض العين الموهوبة وشروط تمام الهبة
وأشارت إلى أنه مع رضا الطرفين بهذا التصرف واستلام الموهوب له العين الموهوبة وقبضه إياها من الواهب وتمكينه منها بشكل كامل، تكون الهبة قد تمت وانعقدت صحيحة ونافذة شرعًا. وبالتالي تنتقل ملكية الشيء الموهوب من الواهب إلى الموهوب له ما لم يطرأ عليها ما يستوجب فسخها أو إبطالها أو الرجوع فيها.
كما ذكرت أن الأصل في اعتبار القبض هو الفاصل في ثبوت الملك واستقراره، كما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ…». أخرجه الإمام مالك في “الموطأ”.
وأيضًا ما ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْحِلُونَ أَوْلَادَهُمْ نُحْلًا…». أخرجه الإمام البيهقي في “السنن الصغرى”.
موقف المذاهب الفقهية الأربعة من لزوم الهبة بالقبض
ذكرت دار الإفتاء أن نصوص فقهاء المذاهب الأربعة تؤكد على أنه متى قُبضت الهبة بإذن الواهب فإنها تكون تامة شرعًا وتترتب عليها آثار قانونية مثل ثبوت ملك الموهوب للموهوب له، مما يمنحه حق التصرف فيها بجميع وجوه التصرفات المشروعة.
قال الإمام المرغيناني الحنفي في “الهداية” (3/ 222، ط. دار إحياء التراث العربي): [(وتصح بالإيجاب والقبول والقبض) لأن العقد ينعقد بالإيجاب والقبول والقبض ضروري لثبوت الملك] اهـ.
وقال العلامة خليل المالكي في “التوضيح” (7/ 329، ط. مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث): [الهبة والصدقة يلزمان بالقول ولا تتمان إلا بالقبض] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في “روضة الطالبين” (5/ 375، ط. المكتب الإسلامي): [شرط لزوم الهبة هو القبض؛ فلا يحصل الملك في الموهوب والهدية إلا بقبضهما وهذا هو المشهور] اهـ.

