يُقال إن السلطة في السياسة تُعبر عن قوة الحضور قبل أن تكون قوة القرار، فالحاكم الذي لا يُرى يخسر نصف سلطته مع مرور كل يوم. وإيران، التي بنت شرعيتها على واجهات الحشود وقراءة التواقيع باسم المرشد، تواجه اليوم مفارقة لم تعرفها منذ نصف قرن: مرشد أعلى يمتلك جميع الصلاحيات لكنه غائب عن الظهور منذ 161 يومًا.

غير أن غياب المرشد في الأنظمة الأيديولوجية يُملأ فورًا بمن يستطيع تفسير الإرادة باسم الغائب. هنا تتحول القضية من سؤال عن صحة رجل إلى سؤال مؤسسي حول الدولة. فإذا كانت صحة مجتبى خامنئي تخص طهران وحدها، فإن نمط إدارة ظهوره منذ 8 مارس يُعتبر وثيقة سياسية كاملة تستحق القراءة كما تُقرأ المعاهدات.

161 يومًا بلا ظهور

الفترة التي تفصل بين 8 مارس و15 أغسطس تمثل 161 يومًا لم يظهر فيها المرشد الأعلى الجديد في أي مادة مؤرخة يمكن التحقق منها.

كان أول حضور “غيابي” لمجتبى خامنئي برسالة مكتوبة في 12 مارس، تلاها مذيع على التلفزيون الرسمي، أعلن فيها إبقاء مضيق هرمز مغلقًا كأداة ضغط ومطالبة الجيران بإغلاق القواعد الأمريكية، متوعدًا بالثأر وتحصيل تعويضات. وتكرر هذا النمط في عيد نوروز (رأس السنة الفارسية) حين قُرئت كلمة منسوبة إليه إلى جانب صورة ثابتة وعلم إيراني، ثم في رسالة الحج المكتوبة، وبعدها في رسالة 18 يونيو التي أجاز فيها مذكرة التفاهم مع واشنطن، حيث قال قارئ النص: “من حيث المبدأ، كان لي رأي مختلف، ولكن في ضوء التزام الرئيس مسعود بزشكيان بحماية حقوق الشعب… فقد أجَزتُ الاتفاق”.

غياب المرشد وحضوره

الأكثر دقة في قراءة غياب مرشد إيران وفق هذا النمط هو أن غيابات ظهوره لا تعني بالضرورة انعدام الحضور؛ فكل مساحة كان يُفترض أن يملأها جسد المرشد امتلأت بـ “واجهة سياسية” تحاكي وجوده.

وقد تجلت هذه الواجهات في مراسم تعيين ستة من كبار القادة العسكريين في القوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني التي صدرت باسمه في العاشر من أغسطس. ومع ذلك، لم يكن حضور توقيعاته كافيًا للإجابة على التشكيك الواسع حول مصيره. استدعت وكالة “مهر” نشر مقطع فيديو مقتضب للمرشد خلال جلسة دراسية دينية، حيث ظهر فيه دون تاريخ أو مكان أو صوت مع تعمد إخفاء الجانب الأيمن من وجهه. كما تعهد نائب قائد البسيج قاسم قريشي بنشر لقطات مستقبلية له بين الناس وفي الشوارع.

حتى هذا الفيديو غير الموثق لا يمكن اعتباره إلا “ستارًا” آخر للظهور العلني لمجتبى خامنئي. لكن أخطر “وكيل” للغياب تمثل في الاجتماع المعلن مع الرئيس مسعود بزشكيان، الذي عاد وشكك بنفسه في صحة اللقاء. وقد نقلت قناة إيران إنترناشيونال المعارضة عن مصادرها أن الرئيس اقتيد إلى موقع سري في طهران وجلس لعدة دقائق مع شخص عُرض عليه على أنه المرشد بينما منعته الحراس من المصافحة.

أُجري الحوار كله في الظلام، فيما تساءل بزشكيان لاحقًا إن كان الصوت الذي سمعه هو فعلاً صوت المرشد ليطلب لقاءً ثانيًا بالمقر الرسمي للمرشد وهو الطلب الذي قوبل بالرفض القاطع.

ويتعمق هذا الغموض عند النظر إلى تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي التي أقر فيها صراحةً بأنه لم يرَ مجتبى خامنئي طوال هذه الفترة مؤكدًا أن دائرة الذين التقوه تقتصر على عدد محدود جدًا من الأشخاص.

ويزيد المشهد ارتباكًا التخبط الحاد في روايات مؤسسة الرئاسة؛ إذ انقلبت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان حول تواصله مع المرشد ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع فقط؛ ففي 21 يوليو قال إن التفاعل بينهما “يتزايد يومًا بعد يوم” ثم عاد ليصف التواصل بأنه “صعب جدًا” قبل أن يناقض نفسه مجددًا زاعمًا أنه التقاه لمدة “سبع أو ثماني ساعات” وأن المرشد “في صحة ممتازة” وهو ادعاء يتصادم بوضوح مع تسريبات لقاء الدقائق المعدودة.

ثلاث روايات حول الجسد الغائب

تتنافس ثلاث روايات لتفسير الغياب الجسدي لمجتبى خامنئي؛ الرواية الأولى هي الأمنية التي تقدمها وسائل إعلام موالية للحكومة مثل صحيفة همشهري التابعة لبلدية طهران والتي نشرت مقطع فيديو يشرح لماذا لا ينشر أي تسجيل صوتي للمرشد مؤكدةً أن أجهزة الاستخبارات تستطيع استخراج توقيت وموقع وبصمة جهازه وحالة صاحبه الصحية عبر خمس قنوات تقنية.

ولتعزيز هذه الرواية نقل المقطع نفسه عن ضباط الموساد قولهم إنه إذا كان المرشد حيًا فهو غالبًا موجود في ملجأ تحت جبل قرب قم أو طهران ويصدر أوامره عبر طبقات من الوسطاء لا يعرفون السلسلة كاملة.

وقد أكد نائب لجنة الأمن القومي أن المرشد كان واعيًا يقرأ الأدعية حين انتشل من تحت الأنقاض وقت اغتيال والده وإن إصاباته سطحية. غير أن هذه الرواية تقابلها إصابات موثقة تتضمن كسر القدم وكدمات وجروح وفق روايات أخرى.

الرواية الدولية تتباين أيضًا حول مصير مجتبى؛ إذ منح ترامب فرصة موت مجتبى 90% قبل أسابيع ثم عاد ليصفه بأنه مشارك 100% في المفاوضات وأبدى استعداده للقائه بينما قال نتنياهو إنه حي.

ويرجح مدير مشروع إيران بمركز الأزمات الدولية علي واعظ احتمالين حول مصير مجتبى خامنئي: إما “هواجس أمنية مفرطة” أو “إصابات بالغة لم يتعاف منها بما يكفي” بينما يخلص تحليل مركز المجلس الوطني الإيراني الأمريكي إلى أن الاختفاء أشبه بضرورة لا باحتياط لأن وزير الخارجية نفسه قال إن الثغرة الأمنية التي سمحت بضرب مقر القيادة وقتل خامنئي الأب ما تزال قائمة.

السلطة حاضرة للحرس الثوري

عند جمع شظايا المشهد تتبدى الجهة الوحيدة الرابحة من الحضور الغائب للمرشد مجتبى خامنئي: الحرس الثوري؛ فالقرارات الكبرى التي صدرت باسم الغائب بدءً من مراسيم تعيين ستة قادة أعلنت خلال 48 ساعة – أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري وحسين تائب قائد للبسيج مكلف بتقوية شبكة الاستخبارات الشعبية وعلي أزماعي قائد القوة البحرية – كلها قرارات تخدم جهة واحدة هي الحرس الثوري.

كيف تقرأ هذه القرارات؟

يقول الباحث سينا توسي إنه عند تفحص هذه المراسيم خلص إلى أن تعيين محسن رضائي تحديداً يُعتبر تخطيطاً لحرب طويلة ومرسوم وحيدي يبرز عبارة “عمليات هجومية قوية” التي وصفتها التعليقات الإيرانية بأنها صياغة استثنائية لمهام قائد الحرس.

وقد امتدت إعادة البناء من مراسيم القيادة إلى قاعة التشريع حيث أقرت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالإجماع الخطوط العريضة لمشروع قانون يثبت السيطرة على مضيق هرمز عبر التفتيش الإلزامي للسفن ومنع عبور الأصول والمعدات الأمريكية والإسرائيلية وفرض رسوم على السفن مقابل الخدمات البحرية.

والأكثر كشفاً هو أن مؤسسة الرئاسة نفسها لا تمتلك تفسيراً لإرادة المرشد؛ فكلام كمال خرازي المقرب من العائلة عن مواقف منسوبة لمجتبى قوبل بتكذيب مكتب المرشد ووصف بأنه غير موثق وتم حذف مقاطع خرازي من إنستجرام بحلول 11 أغسطس واستدعته السلطة القضائية للمثول بما يعني أن الحديث باسم الغائب صار فعلاً يعاقب عليه صاحبه.

وكشف تقرير لـ”ميدل إيست آي” عن استقالة أمين مجلس الأمن القومي السابق محمد باقر زلجدر والتي قبلها المرشد فوراً رغم محاولات بزشكيان إبقاءه جاءت بعد رسالة اعترض فيها على تصريح منسوب للمرشد بأنه معارض لمذكرة التفاهم مما أكمل المشهد: رجل لا يرى يزيح أمين المجلس ويجبر الرئيس على تعيين رضائي رغم مقاومته.

من يدير الحرب الآن؟

حين يوضع السجل كاملاً تظهر الخلاصة واضحة: صفر الظهور ليست وثيقة صحة بل وثيقة حكم؛ فالنظام الإيراني بنى سلطة كاملة لا تحتاج إلى ظهور صاحبها لأن جميع وظائف المرشد أعيدت صياغتها ببديل؛ فالرسالة تُقرأ والمرسوم يُنفذ والصورة تُدار واللقاء يتم في الظلام والرئيس الذي يوقع لا يستطيع الجزم بأنه جلس إلى مرشده. الرابح الوحيد هو الحرس الثوري الذي صار وحده القادر على تفسير إرادة المرشد الغائب.

لقد تبين لمن يدير إيران الآن أن مرشداً لا يُرى ولا يسمع ولا يمكن لأحد نقاشه أكثر نفعاً للسلطة من مرشد يُرى.

وعليه فإن السؤال الحاسم لم يعد “أين مجتبى؟” ولا “هل هو حي؟” لأن سؤالاً واحداً حل محله ويملك جوابه الحرس وحده: متى يكون إظهار المرشد أكثر نفعاً للنظام من إخفائه؟