أكدت دار الإفتاء المصرية أن التشريع الإسلامي جاء لتحقيق الرحمة وتخفيف المشقة، مستندة إلى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
معنى مقولة: اختلاف العلماء رحمة
أوضحت دار الإفتاء عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى أن اختلاف الصحابة هو رحمة، وأن الهداية تتحقق بالأخذ بقول أي واحد منهم؛ حيث روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» كما أخرجه الآجري في “الشريعة” وابن بطة في “الإبانة الكبرى”.
كما ذكر الحافظ البيهقي في “المدخل” عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَهْمَا أُوتِيتُمْ مِنْ كِتَابِ الله فَالْعَمَل بِهِ؛ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الله فَسُنَّةٌ مِنِّي مَاضِيَة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّتِي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي؛ إِنَّ أَصْحَابِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ».
وأضافت الإفتاء أن التخيير بين أقوال المجتهدين هو من النعم العظيمة التي منحها الله تعالى لعباده، حيث قال الحافظ السيوطي في كتابه “جزيل المواهب في اختلاف المذاهب” (ص: 21، ط. دار الاعتصام): [في هذا الحديث فوائد].
وأشارت دار الإفتاء إلى أن إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف المذاهب بعده يعد من معجزاته، لأنه يتعلق بالمغيبات، وقد مدحه ورضي به وجعله رحمة، مما يتيح للمكلف اختيار ما يشاء منها دون تحديد لأحدها.
كما أوضحت أنه يمكن استنباط أن جميع المجتهدين على هدى وأنهم جميعًا على حق؛ فلا لوم على أحد منهم ولا يُنسب إلى أحدهم خطأ؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَأَيّمَا أَخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ»، فإذا كان المصيب واحدًا والباقي خطأ لما تحققت الهداية بالأخذ بالخطأ.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “مَا سَرَّنِي لَوْ أَنَّ أَصْحَبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَمْ يَقَعُوا فِي الاختلاف؛ لِأَنَّهُمْ لَو لم يختلفوا لم تكن هناك رخصة”.
وفي رواية أخرى عنه قال: “مَا يسرني باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم حمر النعم؛ لأننا إن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا، وإن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا” كما رواه الخطيب البغدادي في “الفقيه والمتفقه”.
وقال الإمام عبد الوهاب الشعراني في “الميزان” (1/ 74، ط. عالم الكتب): [الشريعة المطهرة جاءت شريعة سمحاء واسعة شاملة لجميع أقوال أئمة الهدى من هذه الأمة المحمدية، وكل منهم –فيما هو عليه– على بصيرة من أمره وعلى صراط مستقيم، وإن اختلافهم إنما هو رحمة للأمة نشأت عن تدبير العليم الحكيم].

