في أدبيات العلاقات الدولية المعاصرة، لم تعد الدبلوماسية حكراً على الدبلوماسيين أو أجهزة الدولة الرسمية؛ بل أصبحت البطولات الرياضية الكبرى أبرز أدوات “الدبلوماسية العامة” وصناعة الصورة الذهنية للدول. الهتافات الحاشدة للجالية المصرية في كندا والولايات المتحدة، داخل مدرجات ملاعب سياتل وفانكوفر، ليست مجرد دعم رياضي لمنتخب مصر في مونديال 2026، بل تعكس معاني سياسية وسوسيولوجية عميقة.
تتحول الملاعب التي تشهد مباريات المنتخب المصري في كأس العالم إلى فضاء عام تصهر فيه الجالية المصرية الضخمة (تستضيف أمريكا الشمالية نحو 2 مليون مصري) بمختلف شرائحها، لتعيد إنتاج وجدانها الوطني والقومي بكفاءة. يمكن القول، دون مبالغة، إن ما يحدث يُعد شاهداً على كيفية تحول تشجيع المنتخب المصري إلى أداة من أدوات الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة. كما تُظهر “المواطنة العابرة للحدود” قدرتها على تجاوز ثنائيات الاندماج والقطيعة الثقافية، مقدمة نموذجاً حياً لـ “الهوية الصلبة” التي تعيد صياغة علاقة المهاجر بوطنه تحت مظلة المستطيل الأخضر.
***.
لقد أثبتت الفعاليات الحاشدة للجالية المصرية في أمريكا الشمالية خلال المباريات الثلاث للمنتخب المصري حتى الآن أن الهوية الوطنية المصرية تمتلك “صلابة بنيوية” تقاوم الذوبان حتى بعد عقود من العيش في مجتمعات غربية تُعرف تاريخياً بقدرتها العالية على صهر واستيعاب المهاجرين. يبرز هذا على مستويين: أولاً، إعادة إنتاج المجال العام المصري من خلال نقل الهتافات التقليدية في مدرجات استاد القاهرة ومزجها بالأغاني الوطنية ورفع الأعلام المصرية الضخمة في شوارع سياتل ومحيط ملعب “لومن فيلد” الشهير (شهد حضوراً تخطى الـ 52,000 مشجع). وثانياً، التوريث الثقافي العابر للأجيال؛ حيث لا يقتصر المشهد على المهاجرين الأوائل الذين غادروا بلادهم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بل برز جيل ثانٍ وثالث من الأبناء والأحفاد. إن اندماج هؤلاء الشباب والشابات وتوشحهم بالعلم المصري وترديدهم للأغاني الوطنية يثبت أن “المواطنة الثقافية” تُورث كعقيدة بصرية وسمعية ولا ترتبط حصراً بالولادة أو العيش داخل حدود الدولة.
***.
لفهم الطبيعة البنيوية لهذا الحشد الجماهيري المصري الحالي، يمكن تمييز فئتين رئيسيتين داخل هذه الكتلة البشرية الضخمة في طريقة تفاعلهما داخل مدرجات المونديال: الأولى تمثل الأغلبية الساحقة (حوالي 90%) وهي فئة المصري المهاجر الذي حصل على الجنسية الأمريكية أو الكندية. حضور هذه الفئة لا يعبر عن مجرد تشجيع كروي للمنتخب المصري بل يعكس “إعلاناً سياسياً” عن الهوية الأصلية. اصطحب هذا المصري أطفاله من الجيل الثاني والثالث ليريهم “مصر الوطن الأم” في لقطة فخر أمام مجتمعهم الغربي، مستحضراً حنينه الجغرافي والوجداني (النوستالجيا) عبر المستطيل الأخضر. أما الفئة الثانية وهي الأقل عدداً (10%) فهي فئة المصري المسافر للعمل أو للدراسة. ظهر هذا “المغترب المؤقت” كامتداد حي لإستاد القاهرة؛ يعيش الغربة بكافة أحوالها ولم تبتعد روحه عن بيئته المصرية، وجاء مشحوناً بحماس الملاعب المعتاد ليعلن أن غربته طارئة وأن ارتباطه اليومي بتفاصيل الوطن لم ينقطع.
امتزجت هاتان الفئتان من المصريين في سبيكة واحدة داخل المدرج لتتلاشى الفوارق القانونية والاقتصادية لصالح “العقد الاجتماعي الوجداني” الذي فرضه قميص المنتخب الوطني.
الأكثر من ذلك أن هذه اللوحة الجماهيرية المصرية الرائعة تخطت حدود التشجيع الكروي لتكتسب بعداً قومياً أخلاقياً، حيث تحول المدرج إلى منبر سياسي قيمي. أصبحت المدرجات والمسيرات الحاشدة منصات لإعلان التضامن المصري من خلال الهتافات العفوية المؤيدة للقضية الفلسطينية (مثل “شمال يمين بنحبك يا فلسطين”). هذا التوظيف للمدرج الرياضي كـ “منبر ناعم” فرض الرواية والقيم المصرية العربية أمام الآلات الإعلامية الغربية المكثفة التي تغطي المونديال، معبراً عن انتماء ووعي سياسي مصري عابر للحدود الجغرافية.
***.
تاريخياً، ارتبط مفهوم الهجرة التقليدي بنوع من “القطيعة الجغرافية”، إلا أن أحداث مونديال 2026 تثبت تحول هذا المفهوم إلى “ترابط شبكي مستمر” بفضل ثورة الاتصالات والاتصال الوجداني. نلاحظ أن التغطية الإيجابية والمكثفة لشبكات إعلام عالمية (مثل The Athletic التابعة لـ New York Times وشبكة CBS Sports)، والتي أفردت مساحات للحديث عن الشغف والمظهر المنظم والحماسي للمشجعين المصريين في مدن أمريكا الشمالية قدّمت خدمة دبلوماسية وثقافية مجانية لمصر؛ حيث رسمت صورة ذهنية للجاليات المصرية ككتلة بشرية حيوية ومؤثرة في ثقافة المجتمعات الغربية بعد أن نجحت هذه الجاليات – خلال ثلاث مباريات فقط – في جذب أنظار الإعلام الدولي وأصبحت واحدة من العلامات البارزة في البطولة الحالية.
إن الملحمة الجماهيرية لمصريي كندا والولايات المتحدة تُثبت أن الجاليات في الخارج تمثل ذخيرة استراتيجية وقوة كامنة لا تنفصل عن قضايا الوطن وهمومه.

