22 عاما على رحيل “قاهرة المستحيل”.. وإرثها العلمي لا يزال يصنع المستقبل ويقود الحلم

قاهرة المستحيل.. كتبت اسمها في تاريخ التعليم المصري بمشروع تجاوز حدود الزمن

جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. الصرح الذي جسد رؤيتها وحمل رسالتها عبر الأجيال

خالد الطوخي يواصل حمل الأمانة ويحفظ إرث والدته برؤية تواكب المستقبل

الطوخي.. قيادة تحافظ على الجذور وتدفع الجامعة نحو آفاق جديدة من التطور والريادة

خالد الطوخي.. امتداد لرؤية مؤسسة آمنت بأن التعليم يصنع الأوطان

من أكتوبر إلى الأقصر.. مسيرة البناء تتواصل وفاء لرؤية لا تزال تصنع المستقبل

في الذكرى الثانية والعشرين لرحيل الدكتورة سعاد كفافي، أجد نفسي محاطًا بمشاعر عميقة من الامتنان والإعجاب بتلك السيدة التي كانت رمزًا للعزيمة والإصرار. فبعض الأشخاص لا يقاس حضورهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر يمتد عبر الزمن، حتى يصبح الغياب مجرد حقيقة إنسانية لا تستطيع أن تمحو ما صنعته الأيدي أو ما رسخته العقول. والدكتورة سعاد كفافي كانت واحدة من هؤلاء الذين تجاوزوا حدود العمر، لأنهم اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في سجل الباقين بأعمالهم، لا في صفحات الراحلين.

وفي الذكرى الثانية والعشرين لرحيلها، لا نستعيد مجرد سيرة شخصية صنعت نجاحًا استثنائيًا، وإنما نستحضر تجربة وطنية آمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يقدمه فرد لوطنه. لقد رحلت صاحبة الرؤية، لكن الرؤية نفسها ما زالت تنبض بالحياة، تكبر مع كل دفعة جديدة من الخريجين، وتتجسد في كل إنجاز تحققه جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتؤكد أن الأفكار العظيمة لا تعرف الغياب، وأن الرسائل الصادقة تعيش أطول من أصحابها.

لم تكن الدكتورة سعاد كفافي من أولئك الذين يبحثون عن نجاح شخصي أو مكانة اجتماعية، بل كانت صاحبة مشروع متكامل. وعندما نتأمل مسيرتها، ندرك أننا لا نتحدث عن مؤسسة تعليمية أو جامعة خاصة فحسب، بل عن رؤية سبقت عصرها وعن عقل امتلك القدرة على قراءة المستقبل في وقت كانت فيه كثير من الأفكار تبدو بعيدة المنال. ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الحديث عن التعليم الجامعي الخاص يحظى بالقبول الذي نعرفه اليوم. وكانت التجربة محاطة بالكثير من التساؤلات والتحديات. لكن أصحاب الرؤى الكبيرة لا ينتظرون اكتمال الظروف بل يصنعونها بأنفسهم. وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي عندما قررت أن تخوض واحدة من أكثر المغامرات جرأة في تاريخ التعليم المصري الحديث.

اختارت مدينة السادس من أكتوبر لتكون نقطة الانطلاق في وقت كانت المدينة نفسها ما تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التوسع العمراني. وكأنها أرادت أن يكبر الحلم مع المكان وأن تتشكل ملامح الصرح العلمي بالتوازي مع نمو المدينة التي احتضنته. وضعت اللبنة الأولى بإطلاق المعهد العالي للسياحة والفنادق مدركة أن مصر تحتاج إلى كوادر مؤهلة تمتلك المعرفة والخبرة وتسهم في دعم أحد أهم قطاعات الاقتصاد الوطني. وبعد ذلك واصلت المشروع بثقة أكبر بإطلاق المعهد العالي للهندسة المعمارية وإدارة الأعمال لتؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من إعداد الكفاءات القادرة على قيادة قطاعات البناء والإدارة والاقتصاد.

كانت خطواتها مدروسة لكنها لم تكن خالية من الجرأة؛ فقد كانت تدرك أن بناء مؤسسة تعليمية محترمة لا يتحقق بإنشاء المباني فقط وإنما يبدأ ببناء الفكرة وترسيخ القيم ووضع معايير لا تسمح بالتراجع مهما كانت التحديات. جاءت المحطة الأهم في عام 1996 عندما أعلنت تأسيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا لتصبح واحدة من أوائل الجامعات الخاصة في مصر.

ولم يكن الطريق الذي سلكته الدكتورة سعاد كفافي مفروشًا بالورود؛ بل كان مليئًا بالعقبات التي واجهت كل فكرة جديدة في ذلك الوقت. كان التعليم الجامعي الخاص تجربة لا تزال في بدايتها وكانت النظرة إليه محاطة بالكثير من التحفظ إلى جانب تحديات إدارية وتشريعية وتنظيمية احتاجت إلى قدر كبير من الصبر والحكمة والإصرار. غير أن شخصيتها القيادية صنعت المستحيل؛ فقد امتلكت قدرة استثنائية على تحويل العقبات إلى فرص وتعاملت مع كل تحد باعتباره خطوة جديدة نحو التطوير.

وبعد اثنين وعشرين عامًا على رحيلها، تبدو الدكتورة سعاد كفافي أكثر حضورًا من أي وقت مضى؛ يتجسد هذا الحضور في كل طالب يعبر بوابة الجامعة وفي كل باحث يجد داخلها بيئة تشجعه على الإبداع وفي كل طبيب أو مهندس أو صيدلي أو إعلامي تخرج في هذا الصرح وانطلق ليؤدي دوره في خدمة وطنه. لقد أصبحت الجامعة أكبر شاهد على أن الأفكار الصادقة لا تنتهي برحيل أصحابها بل تبدأ رحلة جديدة عنوانها الاستمرار والبناء والتطور.

ويواصل خالد الطوخي رئيس مجلس أمناء جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا حمل الأمانة التي تركتها والدته مستندًا إلى القاعدة الصلبة التي أرستها ومؤمنًا بأن الحفاظ على نجاح أي مؤسسة لا يتحقق بالاكتفاء بما تحقق بل بالسعي الدائم إلى التطوير ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي.

ولم يكن هذا التطوير انفصالاً عن فلسفة الدكتورة سعاد كفافي بل جاء امتدادًا مباشرًا لها؛ فالفكرة التي انطلقت قبل أكثر من ثلاثة عقود تقوم على أن التعليم مشروع متجدد لا يعرف التوقف. وفي إطار هذه الرؤية تواصل الجامعة تنفيذ خططها التوسعية سواء داخل مقرها بمدينة السادس من أكتوبر أو عبر إنشاء فرع جديد لها في مدينة الأقصر مما يعكس إيمانًا راسخًا بأن الرسالة التي بدأت قبل سنوات طويلة ما زالت تمتلك القدرة على الوصول إلى آفاق أوسع وخدمة شرائح أكبر من الطلاب في مختلف أنحاء الجمهورية.

قد يرحل أصحاب الأحلام لكن الأحلام الكبيرة لا ترحل معهم لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى واقع يعيشه الناس كل يوم؛ وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي التي لم تترك وراءها مباني أو منشآت فحسب بل تركت مدرسة في الفكر والإدارة ورسخت مفهومًا مختلفًا لدور الجامعة باعتبارها مؤسسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة. رحم الله الدكتورة سعاد كفافي وجعل كل طالب تعلم في مؤسساتها وكل باحث نهل من علمها وكل إنجاز تحقق على أرض هذا الصرح الأكاديمي في ميزان حسناتها.