تأتي الخطوة التي اتخذتها الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي مؤخرًا بشأن مبادرات تحفيز العمالة غير المنتظمة وأصحاب المهن الحرة والمصريين بالخارج، لتعكس حرص الدولة على توفير حياة كريمة لهذه الفئات. تهدف هذه المبادرات إلى تمكينهم من الاستفادة من الحماية الاجتماعية والمظلة التأمينية، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وزيادة الإنتاجية، وتوفير بيئة عمل عادلة ومستقرة تدعم ركائز التنمية المستدامة.
ينبغي النظر إلى هذه الخطوة على أنها تحول في فلسفة إدارة سوق العمل المصري، حيث يتم الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المنظم. كما تعكس هذا التحول من غياب الحماية إلى ضمان الحقوق، ومن اعتبار العمالة الموسمية عبئاً إلى اعتبارها شريكًا أساسيًا في عملية التنمية.
يضم الاقتصاد المصري ملايين العاملين خارج المظلة التأمينية، الذين يعملون في مجالات مثل البناء والنقل والصيد والحرف اليدوية وخدمات التوصيل الإلكتروني. هؤلاء يسهمون في الإنتاج والنمو لكنهم يفتقدون أبسط أدوات الأمان الاجتماعي عند المرض أو العجز أو بلوغ سن التقاعد.
ومن اللافت أن الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء بحضور رئيس هيئة التأمينات وعدد من الوزراء المعنيين، لم يطرح فكرة الإلزام فقط بل ركز أيضًا على الحوافز والتيسيرات. هذا الاتجاه أكثر واقعية ونجاحًا، حيث أثبتت التجارب الدولية أن جذب العاملين للمنظومة الرسمية لا يتحقق بالعقوبات وحدها بل يتطلب تقديم حوافز ملموسة يشعر بها المواطن.
التجربة التي عرضها رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بشأن ربط تجديد تراخيص السائقين المهنيين بالاشتراك التأميني، والتي رفعت معدلات التغطية إلى أكثر من 99%، تؤكد أن التنسيق بين مؤسسات الدولة يمكن أن يحدث فارقًا كبيرًا في تحقيق المستهدفات دون تعقيد.
كما أن الاهتمام بالعاملين في الاقتصاد الرقمي، وخاصة عمال “الدليفرى”، هو توجه إيجابي من الحكومة. فهذه الفئة تتزايد أعدادها مع انتشار المنصات الإلكترونية ونقص فرص العمل. هؤلاء يعملون لساعات طويلة ويتعرضون لمخاطر يومية دون أن يتمتع معظمهم بأي حماية تأمينية. وإذا نجحت الحكومة في وضع نظام حماية وتأميني لهذه الفئة، فإنها ستكون قد واكبت أحد أهم التحولات التي يشهدها سوق العمل عالميًا.
إدراج أصحاب الحرف التراثية واليدوية والرائدات الريفيات والعاملين بالجمعيات الأهلية والمصريين بالخارج ضمن مظلة الحماية الاجتماعية التأمينية سيسهم أيضًا في توفير حماية لقطاع عريض من المواطنين والعاملين ما يدفع عملية التنمية الاقتصادية ويعزز الإنتاج.
لكن نجاح هذه المبادرة يعتمد ليس فقط على إصدار قرارات جديدة بل يتطلب بناء الثقة بين المواطن ومنظومة التأمينات. فالكثير من العاملين بالقطاع غير الرسمي لا يزالون يرون الاشتراك التأميني عبئًا ماليًا وليس استثمارًا في مستقبلهم. لذا يصبح الوعي والتواصل والإجراءات المبسطة عوامل لا تقل أهمية عن الحوافز المالية، مما يستلزم إطلاق حملة توعوية موسعة للوصول إلى جميع هذه الفئات وتعريفها بأهمية الاشتراك في التأمينات والتسجيل في منظومة العمالة غير المنتظمة للاستفادة من المزايا والإعفاءات ومظلة الحماية الاجتماعية التي كفلها الدستور والقانون.
استخدام التكنولوجيا والربط الإلكتروني بين الوزارات المختلفة سيكون عاملاً حاسمًا للوصول إلى هذه الفئات وتحديث بياناتها وتيسير الاشتراك والسداد بعيدًا عن الإجراءات الورقية المعقدة والبيروقراطية التي كانت سببًا في عزوف الكثيرين عن الانضمام للمنظومة.
لذا ينبغي أن تتضمن المرحلة المقبلة حزمة حوافز حقيقية مثل تخفيض قيمة الاشتراكات في السنوات الأولى والسماح بالسداد الإلكتروني المرن وربط الاشتراك بالحصول على بعض الخدمات أو التراخيص مع إطلاق حملة إعلامية واسعة تشرح للمواطن بصورة مبسطة ما الذي سيحصل عليه مقابل اشتراكه. توسيع مظلة الحماية الاجتماعية ليس مجرد برنامج اجتماعي بل هو استثمار اقتصادي طويل الأجل لأنه يرفع الإنتاجية ويحقق الاستقرار ويحد من الفقر ويعزز دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الوطني مما ينعكس إيجابياً على زيادة الإيرادات وتحقيق التنمية المستدامة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو سرعة التنفيذ وتحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتطبيق على أرض الواقع بحيث يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية. فكل عامل يدخل تحت مظلة التأمينات ليس رقماً جديداً في الإحصاءات بل هو مواطن اكتسب حقاً أصيلاً في حياة أكثر أمناً واستقراراً وتوفير حياة كريمة.
آمل أن نرى قريباً تصوراً موحداً وضعته الحكومة لدمج العمالة غير المنتظمة في القطاع الرسمي وإدراجها ضمن مظلة الحماية الاجتماعية والتأمينية مع إعلان تفاصيل الحوافز والتيسيرات والمزايا التي ستمنح لهذه الفئات.

