مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف، لطالما قدمت نفسها كحارسة للهوية الفرنسية. وقد رفعت راية الحرب على المهاجرين والمسلمين والأجانب، معتبرة أن الإسلام “خطر يهدد الثقافة الفرنسية”، وأن الحجاب لا يقل خطورة – في دلالته الأيديولوجية – عن النازية.

على مدى سنوات، بنى الحزب الذي ورثت زعامته عن والدها الراحل جان ماري لوبان شعبيته على خطاب يدعي الدفاع عن القانون والنزاهة، بينما اتهمه خصومه بتلويث الحياة السياسية الفرنسية بخطاب الكراهية والانقسام.

لكن المشهد السياسي الفرنسي شهد منعطفًا حاسمًا؛ فبينما كانت لوبان تقترب من تحقيق حلمها بالوصول إلى قصر الإليزيه، وجدت نفسها في مواجهة القضاء. ففي الأسبوع الماضي، أيدت محكمة استئناف فرنسية إدانتها بدور محوري في إدارة مخطط ممنهج لاختلاس الأموال العامة استمر أكثر من عقد، وقضت بإخضاعها للمراقبة الإلكترونية لمدة عام.

من قفص الاتهام إلى سباق الإليزيه

لم يُنظر إلى الحكم باعتباره مجرد إدانة جنائية، بل اعتُبر ضربة سياسية قد تقوض طموحات لوبان الرئاسية وتضع مستقبلها السياسي على المحك. وقد اعتبر كثيرون أن هذا الحكم قد يطوي صفحة حلمها بخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في انتخابات عام 2027. غير أن زعيمة اليمين المتطرف سارعت إلى الطعن على الحكم أمام أعلى محكمة في فرنسا، مما أدى إلى وقف تنفيذ المراقبة الإلكترونية مؤقتًا حتى صدور القرار النهائي.

ولم تنتظر لوبان طويلًا للرد سياسيًا؛ فبعد ساعات فقط من صدور الحكم، أعلنت إطلاق حملتها للانتخابات الرئاسية لعام 2027 تحت شعار “من أجل فرنسا”. وتعهدت بجعل إحياء الصناعة الفرنسية وإصلاح النظام الصحي وتطوير المدارس وتعزيز الأمن واستعادة السيادة الوطنية وتشديد الرقابة على الحدود على رأس أولويات برنامجها الانتخابي، وفق مقابلة أجرتها مع جريدة “جورنال دو ديمانش” الفرنسية.

غياب الصدمة الشعبية

ترى الصحفية والناشطة الفرنسية روخايا ديالو أن امتداد التحقيق لعشر سنوات ربما يفسر غياب الصدمة الشعبية الواسعة عقب صدور الحكم. إذ انصرف جزء كبير من النقاش العام إلى مستقبل مارين لوبان السياسي بدلاً من التوقف عند حجم المخالفات التي أدينت بها.

وفي جوهر القضية، تكشف التحقيقات عن شبكة منظمة من الوظائف الوهمية أنشأتها قيادة حزب الجبهة الوطنية عام 2004 قبل أن يتحول اسمه لاحقًا إلى التجمع الوطني.

واعتمدت هذه الآلية على تسجيل موظفين بوصفهم مساعدين لأعضاء في البرلمان الأوروبي للحصول على رواتب ممولة من البرلمان رغم أنهم لم يؤدوا أي مهام برلمانية فعلية.

بدلاً من توظيف تلك الأموال في الأعمال التشريعية الأوروبية، جرى تحويلها إلى فرنسا لتمويل الأنشطة السياسية للحزب. ومن بين المستفيدين من هذه الوظائف الوهمية الحارس الشخصي لـ”لوبان” ومساعدتها الشخصية المقربة، في مخطط فساد مالي استمر أحد عشر عامًا قبل أن تكشفه التحقيقات.

ولم تقتصر الإدانة على لوبان وحدها؛ بل شملت أيضًا حزب التجمع الوطني بصفته كيانا قانونيا بعدما ثبت تورطه في تحويل أموال البرلمان الأوروبي إلى غير الأغراض المخصصة لها. لتقضي المحكمة بتغريمه مليوني يورو مع وقف تنفيذ نصف قيمة الغرامة.

جذور مصرية تعود إلى 1907

ولدت لوبان عام 1968 في العاصمة الفرنسية باريس ودرست القانون الجنائي قبل أن تتخرج عام 1991 ثم عملت في المحاماة وتولت إدارة الشؤون القانونية داخل حزب الجبهة الوطنية.

في عام 2011 خلفت والدها جان ماري لوبان في رئاسة الحزب وأطلقت حملة لإعادة صياغة صورته السياسية مستبعدة عددًا من القيادات المتهمة بمعاداة السامية وتمجيد النازية مع الإبقاء على مرتكزاته الأساسية وفي مقدمتها معارضة الهجرة والتشدد تجاه الإسلام. كما أعادت تسمية الحزب ليصبح “التجمع الوطني”.

وعلى الرغم من خطابها السياسي المتشدد تجاه المهاجرين، كشفت لوبان خلال تجمع انتخابي عام 2017 عن جانب غير مألوف من جذورها العائلية عندما قالت إن والدة جدتها كانت تدعى بولين وكانت قبطية وُلدت في مصر حيث عاشت معظم حياتها وأنجبت جدتها.

وفي السياق نفسه نقل موقع “فرانس 24” عن خبير الأنساب الفرنسي جان لوي بوكارونو قوله إن جدة لوبان تنحدر من عائلة مالطية استقرت خلال القرن التاسع عشر في تونس والجزائر واختلطت عبر المصاهرة بعائلات إيطالية ويهودية وعربية.

أيادٍ نظيفة ورؤوس مرفوعة

منذ عام 1988 لم تخل أي انتخابات رئاسية فرنسية من اسم أحد أفراد عائلة لوبان سواء الأب أو الابنة مما رسخ حضور العائلة في قلب الحياة السياسية الفرنسية. لكن لوبان التي ورثت الزعامة السياسية عن والدها وجدت نفسها اليوم في قلب قضية يرى مراقبون أنها تتناقض جذريًا مع المبادئ التي طالما ادعى حزبها الدفاع عنها لتضع حزب التجمع الوطني في مواجهة واحدة من أكبر أزمات المصداقية في تاريخه وفق جريدة “ذا جارديان”.

ولسنوات طويلة خاض الحزب حملاته الانتخابية تحت شعار “أيادٍ نظيفة ورؤوس مرفوعة” مقدمًا نفسه باعتباره الحزب الذي يقف ضد الفساد ويدافع عن النزاهة في الحياة العامة. وكانت لوبان واحدة من أكثر السياسيين تشددًا في هذا الملف إذ أعلنت خلال إحدى المناظرات التلفزيونية أن “الجميع نهب المال العام باستثناء الجبهة الوطنية” قبل أن تدعو عام 2013 إلى حرمان أي مسؤول منتخب يُدان بجرائم تتعلق بالمال العام من تولي أي منصب مدى الحياة متسائلة:”متى سنقر الحرمان المؤبد من المناصب العامة لكل من يُدان بجرائم مرتبطة بوظيفته العامة؟”.

غير أن تلك التصريحات التي بدت آنذاك تعهدًا سياسيًا بمحاربة الفساد ارتدت على صاحبتها لاحقًا. ففي الوقت الذي كانت تتباهى فيه بأن سجلها “خالٍ من الفساد” وأن يديها “نظيفتان” كانت بحسب ما خلصت إليه المحاكم الفرنسية تدير منظومة لتحويل أموال عامة لخدمة حزبها وهي القضية التي انتهت بإدانتها وإدانة الحزب نفسه.

فقدان المصداقية السياسية والأخلاقية

ترى الصحفية الفرنسية روخايا ديالو أن حزبا يرفع شعار احترام القانون والنظام ثم يدان في قضية اختلاس أموال عامة يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته السياسية والأخلاقية.

وتتساءل ديالو كيف يمكن لحزب يتبنى خطابا صارما ضد الجريمة أن يقنع الناخبين بأنه حارس للقانون بعدما ثبت تورطه في إساءة استخدام الأموال العامة؟

وتمتد المفارقة إلى صميم الخطاب السياسي للحزب؛ فبينما ظل لسنوات يحمل المهاجرين مسؤولية استنزاف موارد الدولة تكشف هذه القضية أن الذين أساءوا استخدام المال العام هم قادة الحزب أنفسهم بعدما حوّلوا أموالاً أوروبية خُصصت لدعم المؤسسات الديمقراطية لخدمة مصالحهم الحزبية.
وتختتم بالقول إن مارين لوبان لم تبدِ أي ندم ولم تقدم اعتذاراً عن الأفعال التي أدانها القضاء رغم أنها كثيراً ما تستحضر “القيم الجمهورية” في خطابها السياسي.
وبالنسبة لديالو فإن غياب الاعتراف بالخطأ لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها لأنه يثير تساؤلات حول أهلية لوبان وحزبها للاستمرار في المطالبة بقيادة فرنسا.