تستعد الجزائر للمشاركة في الطبعة الستين من صالون “مارموماك” الدولي بمدينة فيرونا الإيطالية، المزمع تنظيمه من 22 إلى 25 سبتمبر المقبل، في خطوة تعكس توجها استراتيجيا متصاعدا نحو تعزيز الحضور في الأسواق العالمية، وتوسيع فرص التصدير وبناء شراكات صناعية وتجارية مع فاعلين دوليين في واحدة من أهم التظاهرات العالمية المتخصصة في هذا القطاع.

وتندرج هذه المشاركة ضمن مسار اقتصادي أوسع تعمل عليه الجزائر في الآونة الأخيرة، يقوم على إعادة توجيه البوصلة نحو تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات، من خلال تثمين القطاعات غير النفطية، وفي مقدمتها الصناعات المنجمية والتحويلية، التي يُنظر إليها اليوم باعتبارها أحد أهم محركات النمو المستقبلية.

وفي هذا الإطار، لم يعد الرهان الاقتصادي مرتبطا فقط بتصدير المواد الأولية، بل بات يرتكز بشكل متزايد على بناء منظومات إنتاج متكاملة قادرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، بما يسمح بتعزيز القدرة التنافسية للمنتوج الجزائري في الأسواق الدولية، وفتح المجال أمام اندماج أوسع في سلاسل القيمة العالمية.

كما يعكس دخول الجزائر إلى هذا النوع من التظاهرات الدولية رغبة واضحة في إعادة تموقع المنتوج الوطني داخل الأسواق العالمية، ليس فقط كمورّد للمواد الخام، بل كفاعل صناعي قادر على المنافسة في الجودة والتكنولوجيا والتسويق.

وتكتسي هذه المشاركة أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة “مارموماك” كأحد أبرز المعارض العالمية المتخصصة في الرخام والأحجار الطبيعية، حيث يجمع سنويا كبار المنتجين والمستوردين والمستثمرين والمهندسين ومكاتب التصميم من مختلف دول العالم، ما يجعله منصة استراتيجية لتبادل الخبرات وعقد الصفقات وبناء الشراكات طويلة المدى في هذا القطاع.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن مشاركة الجزائر في التظاهرات الدولية المتخصصة، وعلى رأسها معرض “مارموماك” بفيرونا، تمثل فرصة استراتيجية لإعادة تموقع الجزائر داخل سوق الرخام والأحجار الطبيعية عالمياً، من خلال إبراز الإمكانات الجيولوجية والصناعية التي تزخر بها البلاد واستثمار هذه الموارد ضمن رؤية اقتصادية جديدة أكثر انفتاحا على الأسواق الدولية.

تثمين الثروة المنجمية.. من المادة الخام إلى القيمة المضافة.

وأشار تيغرسي إلى أن التحدي الأساسي الذي يواجه قطاع الرخام في الجزائر يرتبط أساسا بكيفية استغلال الموارد الطبيعية وتحويلها إلى منتوج صناعي ذي قيمة مضافة عالية قادر على تعزيز تنافسية المنتوج الجزائري في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن الجزائر تمتلك ثروة جيولوجية معتبرة من الرخام والأحجار الطبيعية موزعة عبر عدة ولايات ومناطق جبلية وصحراوية وساحلية، ما يمنحها تنوعا كبيرا من حيث الجودة والألوان والخصائص التقنية. غير أن هذا المخزون الطبيعي لا يزال جزء كبير منه غير مستغل بالشكل الأمثل.

وأضاف تيغرسي أن النمط السائد في استغلال هذه الثروة لا يزال يعتمد بشكل واسع على تصدير المواد الخام أو شبه الخام، وهو ما يحد من العائدات الاقتصادية الممكن تحقيقها ويقلص من فرص خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ومن هذا المنطلق، أكد أن التحول نحو التصنيع المحلي يمثل نقطة مفصلية في تطوير هذا القطاع من خلال إدماج مراحل التحويل الصناعي مثل التقطيع الدقيق والصقل والتشطيب النهائي وتطوير منتجات موجهة خصيصا لأسواق البناء الفاخر والديكور الداخلي والخارجي.

كما شدد على أن هذا التحوّل يتجاوز الجانب التقني ويستدعي إعادة تنظيم شاملة لسلسلة الإنتاج انطلاقا من مرحلة الاستكشاف الجيولوجي مرورا بالاستخراج وصولا إلى التحويل والتسويق ضمن رؤية صناعية متكاملة ومترابطة.

“مارموماك” منصة لإعادة التموضع الدولي.

وبخصوص المشاركة في معرض “مارموماك”، أوضح الخبير الاقتصادي أن هذا الموعد الدولي يمثل منصة عالمية استراتيجية تعكس أحدث الاتجاهات في صناعة الحجر الطبيعي على المستوى الدولي بما يتجاوز كونه تظاهرة تجارية ظرفية.

وأكد أن أهمية هذا المعرض تكمن في كونه يجمع مختلف الفاعلين في سلسلة القيمة من منتجين ومصدرين ومهندسين معماريين ومصممي ديكور ومكاتب دراسات وشركات تكنولوجية متخصصة ما يجعله فضاء متكاملا لتبادل الخبرات وبناء الشراكات.

ويرى تيغرسي أن الجزائر يمكن أن تستفيد من هذا الفضاء الدولي على أكثر من مستوى. أولها الترويج للمنتوج الوطني وإبراز جودة الرخام الجزائري من حيث الخصائص الطبيعية والتنوع الجغرافي. وثانيها الاطلاع على أحدث التقنيات العالمية في مجال الاستخراج والتحويل والتشطيب.

كما أضاف أن هذا النوع من التظاهرات يتيح فرصة مهمة لفهم اتجاهات السوق العالمية سواء من حيث الطلب أو المعايير التقنية أو الذوق المعماري وهو ما يسمح بتحسين مستوى التكيف الصناعي للمنتوج الجزائري مع هذه التحولات.

نحو صناعة تحويلية قادرة على المنافسة الدولية.

وشدد المصرح على أن مستقبل قطاع الرخام في الجزائر يرتبط بشكل مباشر بمدى القدرة على تطوير صناعة تحويلية قوية ومتكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة داخل البلاد بدل الاكتفاء بالتصدير الأولي.

واعتبر أن بناء هذه الصناعة يتطلب استثمارات نوعية في التكنولوجيا الحديثة وتحديث وسائل الإنتاج وإدخال أنظمة رقمية في تسيير سلاسل الإنتاج والتوزيع بما يضمن رفع الكفاءة وتقليص التكاليف وتحسين الجودة.

كما أشار إلى أن المنافسة في السوق العالمية أصبحت تعتمد بشكل كبير على الابتكار والتكنولوجيا وليس فقط على توفر المواد الخام وهو ما يفرض على الجزائر إعادة النظر في نمط إدارتها لهذا القطاع. وأن الدول التي تمكنت من فرض نفسها في سوق الرخام والأحجار الطبيعية هي تلك التي استطاعت بناء صناعات تحويلية متطورة قادرة على إنتاج منتجات نهائية ذات جودة عالية تستجيب لمتطلبات السوق العالمية.

التكنولوجيا والجودة مفتاح الاندماج في السوق العالمية.

وفي هذا السياق أكد تيغرسي أن إدماج التكنولوجيا الحديثة في مختلف مراحل الإنتاج يمثل شرطا أساسيا للاندماج في سلاسل القيمة العالمية سواء من حيث الاستخراج أو التقطيع أو الصقل أو التسويق كما يستوجب أهمية اعتماد معايير جودة دولية صارمة تضمن مطابقة المنتوج الجزائري لمتطلبات الأسواق الأوروبية والآسيوية التي تعد الأكثر استهلاكا لهذا النوع من المواد.

كما أشار إلى أن تحسين الجودة يشكل امتدادا لتطوير ثقافة صناعية جديدة تقوم على الابتكار والاستمرارية والتخطيط بعيد المدى بما يعزز تنافسية المنتوج الوطني. وفي السياق ذاته يبرز رهان العلامة الجزائرية كخيار استراتيجي في سوق عالمي مفتوح يقوم على تعزيز الحضور التنافسي للمنتوج الجزائري من حيث الجودة والهوية والموثوقية.

ونوه الخبير الاقتصادي بأن أحد أهم التحديات المستقبلية يتمثل في بناء “علامة جزائرية” قوية في قطاع الرخام قادرة على المنافسة عالميا من حيث الجودة والموثوقية والتنوع. كما يرتبط تحسين الجودة بتطوير ثقافة صناعية جديدة قائمة على الابتكار والاستمرارية والتخطيط بعيد المدى بما يرفع من تنافسية المنتوج الوطني في الأسواق الدولية. وفي الإطار نفسه يطرح رهان العلامة الجزائرية كخيار استراتيجي في سوق عالمي مفتوح يقوم على تعزيز حضور المنتوج الجزائري من حيث الجودة والهوية والموثوقية.

انعكاسات اقتصادية أوسع.

وأضاف تيغرسي أن تطوير قطاع الرخام والأحجار الطبيعية يرتكز على البعد الصناعي ويتوسع ليشمل تأثيرات اقتصادية أوسع من خلال خلق مناصب شغل جديدة وتنشيط الاقتصاد المحلي في المناطق الداخلية إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما يمكن لهذا القطاع أن يلعب دورا محوريا في دعم الصادرات خارج المحروقات وتعزيز ميزان المدفوعات وتحسين الأداء الاقتصادي العام للبلاد.

وفي ختام تصريحه أكد الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن قطاع الرخام والأحجار الطبيعية يمثل أحد أهم البدائل الاقتصادية الواعدة خارج قطاع المحروقات غير أن تحويل هذا الإمكان إلى واقع يتطلب رؤية صناعية متكاملة واستثمارات نوعية في التحويل والتكنولوجيا والتسويق. وأشار إلى أن المشاركة في التظاهرات الدولية وعلى رأسها معرض “مارموماك” تشكل خطوة استراتيجية عملية تعكس إعادة تموقع الجزائر داخل سلاسل القيمة العالمية وتعزز حضورها كفاعل اقتصادي صاعد في قطاع يتجه نحو مزيد من التنافسية والتطور على المستوى الدولي.