تتجدد مؤشرات التباعد بين موسكو وكييف بشأن آفاق التسوية السياسية في الحرب مع أوكرانيا، في وقت تؤكد فيه روسيا تمسكها بالتفاهمات التي أُنجزت خلال قمة ألاسكا بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، وترفض أي مقاربات مرحلية أو ضغوط دولية لفرض حلول لا تنسجم مع رؤيتها للأمن الإقليمي. وتأتي تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في ظل حراك دبلوماسي متواصل لإيجاد مخرج للنزاع، وسط استمرار الخلاف حول شروط التسوية وحدود التنازلات الممكنة من الطرفين.

في هذا السياق أكد ديمتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، لـ”الأيام نيوز”، أن تمسك موسكو بتفاهمات قمة ألاسكا لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد استدعاء لمحطة دبلوماسية سابقة جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل يعكس محاولة روسية لإعادة تثبيت المرجعية التي ترى أنها يجب أن تشكل أساس أي مسار تفاوضي مستقبلي بشأن الأزمة الأوكرانية.

وأوضح ديمتري بريجع أن الرسالة الروسية الأساسية تتمثل في اعتبار موسكو أنها أبدت خلال لقاء أنكوراج قدرا من المرونة السياسية، عندما وافق الرئيس بوتين على مقاربة أمريكية تضمنت، وفق الفهم الروسي، معالجة الملف الإقليمي في دونباس بالتوازي مع تجميد خطوط القتال في مناطق أخرى. ولذلك، فإن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تعكس رفض موسكو العودة إلى نقطة الصفر أو تقديم تنازلات إضافية بعد ما تعتبره قبولا مسبقا بحل وسط اقترحته واشنطن نفسها.

وفي هذا السياق، يلفت ديمتري بريجع إلى أن التمسك الروسي بما يسمى “روح أنكوراج” يحمل أربع دلالات رئيسية. فالدلالة الأولى تتمثل في تثبيت سقف التفاوض، حيث تريد موسكو التأكيد أن أي مبادرة أو مشروع سياسي جديد لا يمكن أن يكون أقل من التفاهمات التي تعتقد أنها أُنجزت خلال قمة ألاسكا. وبذلك تتحول تلك التفاهمات، بحسب الرؤية الروسية، إلى خط أساس تفاوضي يجب البناء عليه، لا إلى محطة يمكن تجاوزها أو إلغاؤها بالكامل.

أما الدلالة الثانية، بحسب ديمتري بريجع، فتتمثل في رفض فصل وقف إطلاق النار عن التسوية السياسية الشاملة. فموسكو تخشى أن يؤدي أي وقف مؤقت للعمليات العسكرية دون اتفاق نهائي إلى منح أوكرانيا فرصة لإعادة تنظيم قواتها وتعويض خسائرها وتعزيز قدراتها العسكرية بدعم غربي، قبل العودة إلى المواجهة في مرحلة لاحقة. ولهذا تنظر روسيا بعين الريبة إلى المقاربات التي تقوم على وقف النار أولا ثم التفاوض لاحقا، معتبرة أنها قد تنتج هدنة مؤقتة وهشة بدلا من سلام دائم.

ويضيف ديمتري بريجع أن الذاكرة الاستراتيجية الروسية ما زالت تحمل قناعة راسخة بأن الاتفاقات المرحلية السابقة لم تعالج جذور الأزمة، بل ساهمت فقط في تأجيل انفجارها. ولذلك فإن رفض “الحلول المؤقتة” يعكس تخوفا روسيا من تكرار نموذج اتفاقيات مينسك التي أوقفت بعض العمليات العسكرية دون أن تؤسس لنظام أمني وسياسي مستدام.

وفي الدلالة الثالثة، يشير ديمتري بريجع إلى أن موسكو لا تنظر إلى الأزمة الأوكرانية باعتبارها مجرد نزاع حدودي أو إقليمي، بل تعتبرها قضية مرتبطة بمستقبل أوكرانيا العسكري وعلاقتها بحلف شمال الأطلسي وطبيعة الضمانات الأمنية ومستوى الوجود العسكري الغربي داخل الأراضي الأوكرانية، إضافة إلى ملفات العقوبات والعلاقات الروسية الغربية. ومن هذا المنطلق، فإن روسيا لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بالنزاع بما يبدد ما تعتبره تهديدات استراتيجية لأمنها القومي.

أما الدلالة الرابعة، بحسب ديمتري بريجع، فتتمثل في رفض التفاوض تحت الضغط. فحديث موسكو عن عدم قبول “الإنذارات النهائية” موجه بالأساس إلى الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي تحاول ربط المفاوضات بمواعيد زمنية محددة أو بعقوبات إضافية أو بمطالب تتعلق بوقف إطلاق نار غير مشروط. وتريد روسيا من خلال ذلك التأكيد أنها لا تتعامل مع التسوية بوصفها استجابة لضغوط خارجية، بل باعتبارها عملية تفاوض بين أطراف تمتلك مصالح أمنية متعارضة وأدوات قوة متوازنة نسبيا.

ورغم هذا التشدد، يؤكد ديمتري بريجع أن موسكو لا تغلق الباب أمام المفاوضات، بل تتبنى خطابا مزدوجا ومدروسا. فهي ترفض الضغوط والإنذارات، لكنها في الوقت نفسه تؤكد استعدادها للحوار مع واشنطن. كما أنها تنتقد ما تعتبره تراجعا أمريكيا عن تفاهمات ألاسكا، لكنها تواصل انتظار استئناف الاتصالات مع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

ويرى ديمتري بريجع أن التصعيد في الخطاب الروسي يشكل في حد ذاته أداة تفاوضية تهدف إلى دفع إدارة ترامب نحو العودة إلى الصيغة التي جرى بحثها خلال لقاء ألاسكا، وإبعاد المسار التفاوضي عن المقاربات الأوروبية التي تقوم على أولوية وقف إطلاق النار واستمرار دعم أوكرانيا ورفض الاعتراف بأي تغييرات إقليمية نتجت عن الحرب.

وفي تقييمه للموقف الروسي، يشدد ديمتري بريجع على أن موسكو لا ترفض التسوية السياسية من حيث المبدأ، وإنما ترفض أي تسوية لا تحقق الحد الأدنى من الأهداف الاستراتيجية التي خاضت الحرب من أجلها. فروسيا، بحسب قوله، مستعدة للتفاوض بشأن آليات تنفيذ التسوية ومراحلها وضماناتها، لكنها ترفض العودة إلى صيغ تكتفي بتجميد القتال دون معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالنزاع.

وفيما يتعلق بإمكانية أن تشكل “روح أنكوراج” أساسا واقعيا لتسوية سياسية، يرى ديمتري بريجع أنها يمكن أن تمثل نقطة انطلاق مهمة، لكنها غير كافية بصيغتها الحالية لإنتاج اتفاق قابل للتطبيق. ويعزو ذلك إلى أن “روح أنكوراج” لا تزال مفهوما سياسيا فضفاضا أكثر منها وثيقة قانونية واضحة المعالم، إذ لا توجد معاهدة منشورة أو خريطة رسمية أو جدول زمني أو آلية تنفيذ معلنة بصورة نهائية.

ويشير ديمتري بريجع إلى أن هذا الغموض سمح في البداية لكل طرف بتقديم الاجتماع وفقا لروايته الخاصة، لكنه تحول لاحقا إلى نقطة ضعف، حيث تستطيع موسكو القول إن واشنطن تراجعت عن تفاهمات سابقة، بينما يمكن للإدارة الأمريكية التأكيد أن ما جرى لم يكن سوى مشاورات استكشافية وليست اتفاقا نهائيا وملزما.

كما يلفت ديمتري بريجع إلى أن أوكرانيا لم تكن طرفا مباشرا في صياغة تلك التفاهمات، وهو ما يمثل عقبة إضافية أمام تحويلها إلى تسوية نهائية. فمهما بلغ حجم النفوذ الأمريكي على كييف، لا تستطيع واشنطن فرض اتفاق إقليمي دون موافقة القيادة السياسية والمؤسسات الدستورية والمجتمع الأوكراني.

ويؤكد ديمتري بريجع أن الرفض الأوكراني للتنازل الإقليمي يرتبط بثلاثة مستويات متداخلة؛ أولها المستوى الدستوري حيث لا يستطيع الرئيس الأوكراني بمفرده التوقيع على تنازل نهائي عن الأراضي دون المرور بإجراءات قانونية واستفتاءات شعبية. أما المستوى الثاني فهو سياسي داخلي إذ ستواجه أي قيادة توافق على التخلي عن أراض تعتبرها أوكرانيا جزءا من سيادتها اتهامات بمنح روسيا ما لم تتمكن من الحصول عليه بالكامل في ساحة المعركة. أما المستوى الثالث فهو أمني حيث تخشى كييف أن يؤدي الانسحاب من مواقع استراتيجية أو التنازل عن أراض إضافية إلى تغيير ميزان القوى لصالح موسكو دون الحصول على ضمانات تحول دون تجدد الحرب مستقبلا.

ومع ذلك يرى ديمتري بريجع أن “روح أنكوراج” ما تزال تمتلك قيمة سياسية ويمكن تطويرها لتصبح أساسا واقعيا للتسوية إذا تحولت من تفاهم روسي أمريكي غير واضح إلى إطار تفاوضي متعدد الأطراف ومكتوب بشكل واضح.

ويشدد ديمتري بريجع على أن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تتمثل في الفصل بين مسألة السيطرة الفعلية على الأرض ومسألة الاعتراف القانوني النهائي بالسيادة. فقد يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق يوقف القتال استنادا إلى الواقع الميداني القائم دون إلزام أوكرانيا بالاعتراف الفوري بالسيادة الروسية على جميع المناطق المتنازع عليها.

كما يرى ديمتري بريجع أن أي تسوية مستقبلية تحتاج إلى ضمانات أمنية متبادلة بحيث تحصل روسيا على تطمينات تتعلق بعدم تحويل أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية متقدمة بينما تحصل كييف على ضمانات تحول دون استئناف العمليات العسكرية مستقبلا. ويؤكد أن هذه الضمانات يجب أن تتضمن قيودا متبادلة على الانتشار العسكري وآليات للمراقبة وخطوط اتصال مباشرة وربما مناطق منخفضة التسليح.

ويضيف ديمتري بريجع أن نجاح أي اتفاق يتطلب أيضا إنشاء آلية دولية قوية للتحقق والمراقبة بحيث لا يقتصر الأمر على وجود مراقبين رمزيين بل يشمل نظاما قادرا على رصد الانتهاكات والتحقيق فيها واتخاذ إجراءات واضحة عند وقوعها.

وفي السياق نفسه يؤكد ديمتري بريجع ضرورة ربط الملف الإقليمي بملفات اقتصادية وإنسانية أخرى مثل رفع العقوبات وإعادة الإعمار وتبادل الأسرى وعودة النازحين وحماية البنية التحتية وقطاع الطاقة والملاحة الدولية معتبرا أن هذه الملفات يمكن أن تساهم في بناء صفقة أكثر توازنا من التركيز الحصري على مسألة الأراضي.

كما يشدد ديمتري بريجع على أن أوكرانيا يجب أن تكون طرفا أساسيا ومباشرا في أي اتفاق مستقبلي لا مجرد جهة مطالبة بتنفيذ تفاهمات روسية أمريكية. فواشنطن يمكنها التوسط وتقديم الضمانات وممارسة الضغوط لكنها لا تستطيع صناعة شرعية سياسية أوكرانية من الخارج.

وبناء على ذلك يرى ديمتري بريجع أن “روح أنكوراج” يمكن أن تشكل مظلة سياسية أو مرجعية أولية لكنها لن تتحول إلى سلام واقعي إلا إذا انتقلت من إطار ثنائي روسي أمريكي إلى صيغة روسية أوكرانية بضمانات أمريكية ودولية.

وفي تقييمه لتأثير الموقف الروسي على الجهود الدبلوماسية يوضح ديمتري بريجع أن هذا التشدد قد يؤدي إلى نتيجتين متناقضتين. فمن جهة قد يعقد المفاوضات من خلال رفع سقف المطالب الروسية وتضييق مساحة الحلول الوسط خاصة مع تمسك موسكو بمعالجة الملفات الإقليمية والأمنية دفعة واحدة ورفض تجميد النزاع أو الاكتفاء بوقف إطلاق النار.

ومن جهة أخرى يرى ديمتري بريجع أن هذا الموقف قد يدفع الولايات المتحدة إلى تكثيف جهود الوساطة خصوصا أن موسكو ما تزال تراهن على قدرة إدارة ترامب على ممارسة ضغط أكبر على كييف مقارنة بالأوروبيين وعلى استعدادها لمناقشة تسوية تستند إلى موازين القوى والواقع الميداني.

ويؤكد ديمتري بريجع أن روسيا تسعى في المرحلة المقبلة إلى تحويل “روح أنكوراج” إلى اختبار حقيقي للمصداقية الأمريكية من خلال التساؤل عما إذا كانت إدارة ترامب قادرة على تنفيذ ما تعتبره موسكو تفاهمات سابقة وإقناع أوكرانيا والدول الأوروبية بقبول تسوية تتضمن تنازلات مؤلمة لجميع الأطراف.

ويختم ديمتري بريجع بالقول إن فرص التوصل إلى اتفاق سلام شامل ونهائي ما تزال محدودة بسبب اتساع الفجوة بين الأطراف حول قضايا الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف الناتو والعقوبات الغربية. لكنه يؤكد في المقابل أن فرص استمرار المفاوضات السياسية ما تزال قائمة وأن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في التوصل إلى تفاهمات جزئية تشمل تبادل الأسرى وحماية منشآت الطاقة وترتيبات الملاحة وخفض الهجمات على بعض الأهداف بما يسمح ببناء حد أدنى من الثقة اللازمة للانتقال لاحقا إلى الملفات الأكثر تعقيدا.

ويؤكد ديمتري بريجع بالقول إن السلام المستدام لن يتحقق عبر هدنة مؤقتة أو تجميد للنزاع بل من خلال معادلة متكاملة تجمع بين الواقع الميداني والشرعية القانونية والضمانات الأمنية في إطار اتفاق شامل من حيث المبادئ وتدريجي من حيث التنفيذ يربط وقف إطلاق النار ورفع العقوبات وتنفيذ الالتزامات الأمنية بخطوات متزامنة وقابلة للتحقق بما يحول “روح أنكوراج” من شعار دبلوماسي إلى فرصة حقيقية لتسوية النزاع.