سجلت الجزائر إنجازا علميا جديدا في مجال البحث الزراعي، بعد إدراج ستة أصناف جديدة من القمح والشعير في الفهرس الرسمي للأصناف، في خطوة من شأنها دعم الأمن الغذائي وتعزيز الإنتاج الفلاحي الوطني.

وتشمل الأصناف الجديدة من القمح الصلب: غورايا وإيثري، وإيتيج، فيما تضم أصناف الشعير: ثيزيري وحبيبة، وثافاث.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرة جهود بحثية قادتها ليلى مكليش، الباحثة بـالمدرسة الوطنية العليا الزراعية، التي نجحت رفقة فريقها في تطوير أصناف جديدة تؤكد المستوى المتقدم الذي بلغته البحوث في العلوم الفلاحية بالجزائر.

ومن المنتظر أن تسهم هذه الأصناف الجديدة في تعزيز السيادة الغذائية الوطنية، وفتح آفاق واعدة أمام الفلاحين الجزائريين من خلال تحسين المردودية الزراعية وتطوير إنتاج الحبوب، فضلا عن ترسيخ دور الجامعة ومؤسسات البحث العلمي كشريك أساسي في تجسيد المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاستراتيجي على المستوى الوطني.

إدراج أصناف جديدة من القمح والشعير يعزز مسار الأمن الغذائي في الجزائر.

يرى المهندس الزراعي صغيري عبد المجيد، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين، أن إدراج ستة أصناف جديدة من القمح والشعير في الفهرس الرسمي للأصناف يمثل خطوة نوعية ومهمة في مسار تعزيز الأمن الغذائي الوطني، باعتبارها مرحلة انتقال حقيقية لنتائج البحث العلمي من فضاءات المخابر ومحطات التجارب إلى الحقول والإنتاج الفعلي.

ويؤكد صغيري في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن هذه الخطوة تعكس وجود إرادة واضحة لتطوير أصناف محلية قادرة على التكيف مع الخصوصيات المناخية الجزائرية، والاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات الفلاحين والمنتجين، بما يعزز الاستقرار الزراعي على المدى المتوسط والبعيد.

ويشدد المهندس الزراعي على أن هذه الأصناف الجديدة يمكن أن تلعب دورا محوريا في دعم الأمن والسيادة الغذائية من خلال رفع الإنتاج الوطني من الحبوب وتحسين المردودية في الهكتار، إلى جانب تقليص التبعية لاستيراد البذور والأصناف الأجنبية، وهو ما يمثل مكسباً استراتيجياً للبلاد.

كما يوضح أن هذه الأصناف ستساهم في تحسين استقرار الإنتاج في ظل الظروف المناخية الصعبة، وتوسيع المساحات المزروعة في المناطق شبه الجافة والسهوبية، إضافة إلى توفير مواد أولية أساسية للصناعات الغذائية المحلية.

ويشير في هذا السياق إلى أن الحبوب تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي في الجزائر، بالنظر إلى حجم الاستهلاك الوطني الكبير من القمح اللين والصلب والشعير سنوياً.

ويؤكد صغيري عبد المجيد أن اعتماد الأصناف الجديدة لا يتم بشكل سريع، بل يمر عبر مسار علمي وتقني طويل قد يمتد بين 10 و30 سنة، يبدأ من الجيل الصفري G0 وصولا إلى الأجيال G1 وG2 وG3، مرورا بالتجارب المخبرية والميدانية الدقيقة.

ويضيف أن هذه العملية تخضع لشروط مضبوطة تتعلق بالتكثيف والإكثار وانتقاء المكثفين، حيث يتم العمل في المراحل الأولى على مستوى المخابر والمعاهد، قبل الانتقال إلى حقول التجارب والمكثفين، بما يضمن دقة النتائج وموثوقيتها.

ويبرز المتحدث أن من أهم الخصائص المنتظرة في هذه الأصناف:
تحسين مقاومة الجفاف والإجهاد المائي، ورفع القدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، وتعزيز المقاومة للأمراض الفطرية والصدأ وأمراض الأوراق، إلى جانب تحسين المردودية مقارنة بالأصناف التقليدية.

كما تشمل الخصائص المنتظرة تحسين جودة الحبوب من حيث نسبة البروتين والوزن النوعي، إضافة إلى تكيف أكبر مع مختلف المناطق الزراعية الجزائرية، ما يسمح بتقليص المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية وضمان استقرار الإنتاج من سنة إلى أخرى.

ويؤكد المهندس الزراعي أنه في حال تعميم هذه الأصناف الستة ضمن مسار تقني متكامل يشمل البذور المعتمدة، والتسميد العلمي، والسقي التكميلي، والمكننة الحديثة، فإن النتائج ستكون ملموسة على عدة مستويات.

حيث يمكن لهذه العملية أن ترفع إنتاجية الهكتار بنسبة معتبرة، وتزيد من الإنتاج الوطني الإجمالي من القمح والشعير، مع تقليص تدريجي للحاجة إلى استيراد الحبوب، وبالتالي تخفيف الضغط على احتياطي العملة الصعبة.

كما ستساهم في تعزيز القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، باعتبار أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في توسيع المساحات المزروعة بل في رفع الإنتاج داخل وحدة المساحة الواحدة.

ويرى صغيري عبد المجيد أن البحث العلمي الزراعي في الجزائر قادر على مواكبة التغيرات المناخية والتحديات الاقتصادية شريطة توفير الدعم اللازم وربط نتائج البحث بالميدان الفلاحي والاقتصادي بشكل مباشر.

ويضيف أن المؤسسات البحثية الوطنية تمتلك القدرة على استنباط أصناف مقاومة للجفاف والملوحة وتطوير تقنيات الاقتصاد في مياه السقي وتحسين إدارة التربة والمحافظة على خصوبتها إضافة إلى إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في متابعة المحاصيل الزراعية.

كما يشير إلى أهمية تطوير الزراعة الدقيقة واستعمال الطائرات دون طيار إلى جانب بناء أنظمة إنذار مبكر لمواجهة المخاطر المناخية والبيئية.

ويؤكد المتحدث أن نجاح هذه الجهود العلمية يتطلب تعزيز التنسيق بين مراكز البحث والجامعات وقطاع الفلاحة والمنتجين حتى لا تبقى النتائج حبيسة الدراسات النظرية بل تتحول إلى حلول عملية قابلة للتطبيق الواسع في الحقول.

ويرى أن استغلال هذه المكاسب ضمن رؤية شاملة تجمع بين البحث العلمي والإرشاد الفلاحي والاستثمار والمكننة مع الحفاظ على الأصناف الأصلية وتطوير بنك البذور وبنك الجينات من شأنه أن يشكل ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الغذائية وتقليص فاتورة الاستيراد وبناء فلاحة عصرية قادرة على مواجهة تحديات المناخ والمياه ومتطلبات التنمية المستدامة.

مستقبل الأمن الغذائي يبدأ من المخابر وينتهي في الحقول.

من جهته أكد كريم حسن رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي أنه لم يعد الحديث اليوم عن تحقيق نهضة حقيقية في القطاع الفلاحي الوطني مقتصرا على زيادة المساحات المزروعة أو رفع حجم الاستثمارات والاعتمادات المالية بل أصبح يرتبط بصورة مباشرة بمدى قدرة الجزائر على بناء منظومة متكاملة تجعل من البحث العلمي ركيزة أساسية للتنمية الزراعية المستدامة وتحول نتائج الدراسات والأبحاث من مجرد معطيات نظرية محفوظة داخل المخابر ومراكز البحث إلى أدوات إنتاجية فعالة داخل الحقول والمستثمرات الفلاحية.

وأوضح المتحدث أن الجزائر تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية في مسار تعزيز أمنها الغذائي خاصةً في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والتغيرات المناخية والتقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية ما يجعل من الضروري إعادة النظر في المقاربات التقليدية المعتمدة لتطوير القطاع الزراعي.

وأضاف أن الرهانات الجديدة تجاوزت مفهوم الزيادة الكمية نحو تحقيق جودة أكبر واستعمال أفضل للموارد الطبيعية وتطوير أصناف أكثر قدرة على التأقلم مع مختلف الظروف البيئية وهي كلها أهداف لا يمكن بلوغها إلا عبر استثمار حقيقي في البحث العلمي الزراعي.

وقال إن الجزائر تمتلك اليوم قاعدة علمية معتبرة وكفاءات وطنية ومؤسسات بحثية قادرة على إنتاج حلول علمية متطورة إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط بإنتاج المعرفة بل بإيجاد الوسائل الكفيلة بتحويل هذه المعرفة إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

من رفوف المخابر إلى الحقول.. التحدي الحقيقي للمرحلة القادمة
.

وأشار كريم حسن إلى أن الإشكال المطروح حاليا لا يتعلق بندرة البحوث أو ضعف الكفاءات بل يتمثل أساساً بكيفية نقل هذه النتائج البحثية إلى الواقع الميداني.
وأوضح أنه لضمان انتقال نتائج البحث العلمي من المخابر إلى الحقول والمستثمرات الفلاحية يتطلب وضع استراتيجيات نقل تكنولوجي واضحة ومؤسساتية تقوم على إنشاء وحدات متخصصة داخل الجامعات ومراكز البحث تتولى مهمة تقييم مدى جاهزية الابتكارات العلمية للتطبيق الميداني.
وأضاف أن هذه الوحدات مطالبة بتحويل النتائج العلمية إلى حزم تقنية متكاملة تتضمن أصنافاً محسنة للبذور وتوصيات تقنية وبرامج للإرشاد الزراعي وآليات عملية للاستعمال الميداني.
وأكدت التجارب الدولية الناجحة أثبتت أن البحث الزراعي لا يحقق أهدافه بمجرد نشر الدراسات أو إصدار التقارير العلمية وإنما عندما يصل للفلاح بصورة حلول مبسطة وواضحة قابلة للتطبيق.
وأشار إلى أن الفلاح لا يحتاج لمصطلحات علمية معقدة بقدر حاجته لمعلومات دقيقة حول كيفية الزراعة ونوعية الأسمدة المطلوبة ومواعيد السقي وأساليب مكافحة الآفات وكيفية التعامل مع خصوصيات التربة والمناخ.
وفي سياق متصل أكد رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي أن إحدى الوسائل العملية لنقل المعرفة الزراعية هي إنشاء شبكات تجريب وممرات ميدانية عبر مختلف الولايات الفلاحية الكبرى.
وأوضح أن هذه الشبكات تقوم على إنشاء محطات تجريبية وحقول نموذجية موزعة على مناطق الإنتاج المختلفة بما يعكس تنوع الظروف المناخية والتربة الزراعية الموجودة بالجزائر.
وأضافت أهمية هذه الحقول تكمن كونها تسمح للفلاحين والمستثمرين بمعاينة النتائج مباشرةً على أرض الواقع ورؤية الفرق بين الأصناف الجديدة والأصناف التقليدية.
وقال إن التجربة الميدانية تبقى أكثر تأثيراً من التقارير المكتوبة لأن الفلاح يقتنع بالنتائج التي يراها بنفسه داخل الحقل.
وأشار إلى إمكانية تحول هذه الحقول لفضاءات مفتوحة للتكوين والتدريب وتبادل الخبرات مما يخلق ديناميكية جديدة داخل الوسط الزراعي.
وأوضح كريم حسن أنه المرحلة المقبلة تستوجب إشراك المستثمرات الفلاحية الكبرى بشكل أكبر ضمن منظومة البحث والتطوير.
وأكد إقامة مشاريع تجريبية مشتركة بين المخابر والمستثمرات الفلاحية تمثل أحد أهم الحلول العملية لتسريع اعتماد الابتكارات الجديدة.
وأشار إلى إمكانية تضمين هذه العقود توفير الحقول اللازمة للتجارب وتقاسم تكاليف التمويل وتوزيع المخاطر والعوائد.
وأضافت الشراكات لا تسمح فقط بنقل التكنولوجيا بشكل أسرع وإنما تتيح أيضاً قياس الجدوى الاقتصادية للابتكارات الجديدة.
وقال إن الفلاح أو المستثمر يبحث عن مردودية اقتصادية وحلول تخفض تكاليف الإنتاج وتزيد حجم الأرباح..................

منظومة البذور الحلقة المفصلية بين البحث والإنتاج

وشدد المتحدث على نجاح أي ابتكار زراعي مرتبط بوجود منظومة فعالة لإنتاج وإكثار البذور.

وأوضح الانتقال سلالات بحثيه داخل المختبرات لبذور تجارية قابلة للتسويق يحتاج لمنظومة وطنية متكاملة للإكثار.

وأكد المنظومة يجب ضمان الحفاظ نقاوة الصنف وجودته واستقراره الوراثي وقدرته الإنتاجيه.

وأضاف أي تأخر توفير البذور بالكميات المطلوبة يمكن يؤخر الاستفادة نتائج البحث العلمي مهما كانت قيمتها.

وبخصوص آليات تشجيع التعاون بين الباحثين والفلاحين والهيئات الاقتصادية أكد كريم حسن نجاح الاستراتيجية الحديثة يقوم بناء منظومة تشاركية متعددة الأطراف.

وأوضح القطاع لم يعد يعتمد طرف واحد وإنما أصبح يعتمد تكامل الأدوار بين الباحث المنتج المستثمر والمؤسسات الاقتصادية.

وأشار ضرورة إنشاء منتديات جهوية وورشات دوريه تجمع الباحثين بالفلاحين والمتعاملين الاقتصاديين وصناع القرار.

وأضاف اللقاءات تسمح بتحديد الاحتياجات الحقيقة للميدان وربط البحوث العلمية بالمشكلات التي يواجهها الفلاح.

وأكد رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي الاستثمار بحث زراعي ينبغي النظر إليه باعتباره عبء مالي إضافي وإنما باعتباره استثمار استراتيجي بعيد المدى.

وأوضح تطوير بحوث مقاومة الجفاف وترشيد استهلاك المياه مقاومة ملوحة وأمراض وآفات يعزز استقرار الإنتاج الوطني.

وأضاف كل دينار يتم توجيهه بطريقة ذكية نحو بحث تطبيقي يمكن تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة تتمثل رفع الإنتاجيه وتقليص فاتورة الاستيراد وتحسين دخل الفلاحين.

وأشار الاستثمار بحث علمي يمثل الوقت نفسه استثمار الأمن الغذائي والسيادة الوطنية.

وفي تقييم إدراج أصناف جديدة حبوب ضمن فهرس الرسمي اعتبر كريم حسن إنجاز يمثل مؤشراً إيجابياً تطور القدرات العلمية الوراثيه الوطنية.

وأوضح تطور يعكس تحسن أداء منظومة بحث زراعي يمنح خيارات تقنية جديدة للفلاحين.

لكنه أكد المقابل خطوة ينبغي النظر إليها باعتبار بداية لمسار طويل وليس نهاية له.

وأضاف الوصول الاكتفاء الذاتي حبوب يتحقق تطوير أصناف جديدة فقط بل يحتاج رؤية شاملة تشمل تحسين شبكات الري التخزين التسويق والدعم والمرافقة التقنية.\\\\\.

مستقبل الأمن الغذائي يعتمد تحويل المعرفة العلمية لقوة إنتاج حقيقية