الإثنين 17/أغسطس/2026 – 09:54 ص .
سؤال يفرض نفسه علينا يوميًا، بعد كل حادث، وكل مشاجرة، وكل واقعة اعتداء، سواء كان ذلك في الشارع أو حتى في حفلة عامة. أحيانًا أشاهد بعض هذه المشاهد وأتوقف طويلاً أمامها، ليس فقط بسبب ما حدث، ولكن بسبب السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى هنا؟ متى أصبح من السهل أن يمد شخص يده على آخر بسبب خلاف بسيط؟ متى أصبحت الصراخ اللغة الأولى في الحوار؟ ومتى أصبح السب والإهانة أمرًا عاديًا في الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي؟
الأمر لا يتعلق بحادث واحد أو مجموعة من الأشخاص أو جيل بعينه. إنه شيء أكبر من ذلك؛ إنه تغير في سلوكنا العام. أنا هنا لا أتحدث عن الماضي باعتباره زمنًا مثاليًا خالٍ من الأخطاء أو المشاجرات. بالعكس، كانت هناك مشكلات كثيرة، وكان الناس يختلفون ويتشاجرون ويغضبون، لكنني أتذكر أن حتى المشاجرات كانت لها سقف.
كانت الشتيمة، إن حدثت، لها حدود. وكان هناك شيء يسمى «عيب». قد يختلف اثنان وترتفع أصواتهما، لكن كان هناك لحظة يتوقف عندها الإنسان لأنه يعرف أن ما بعدها ليس مقبولًا. كان الإنسان يحسب حساب نظرة الناس؛ احترامًا لنفسه قبل أن يكون احترامًا لهم.
كان هناك إحساس بأنك تعيش وسط الآخرين وأن لك حقوقًا، لكن للآخرين أيضًا حقوق. في المواصلات العامة لم يكن الأمر مثاليًا، لكن كان هناك سلوك عام يعرفه الناس بالفطرة. الكبير له احترامه والسيدة لها مكانتها ومن يقف ينتظر دوره لا يقفز أمام الآخرين.
لم تكن هناك لافتات تقول لنا ماذا نفعل، ولم يكن هناك شرطي يقف بجوار كل مواطن ليذكره بواجباته. كان هناك شيء اسمه الذوق العام. وهذا الذوق لم يكن مكتوبًا في قانون لكنه كان موجودًا في البيوت والمدارس والشارع.
حتى في الخلافات العائلية كان هناك دائمًا شخص يقول: «خلاص.. كفاية». وكانت هذه الكلمة كافية أحيانًا لإنهاء الخلاف. اليوم يبدو أننا فقدنا شيئًا من هذه القدرة على التوقف؛ الغضب أصبح أسرع والكلمة أقسى واليد أقرب.
والإنسان أصبح مستعدًا في لحظة انفعال لأن يخسر صديقًا أو جارًا أو قريبًا بسبب موقف يمكن أن ينتهي بكلمتين. والأخطر أننا بدأنا نتعامل مع بعض هذه المشاهد باعتبارها أمرًا عاديًا نتصورها وننشرها ونضحك أحيانًا ونتعجب أحيانًا ثم ننتقل إلى الفيديو التالي وكأن الإنسان أصبح مجرد مشهد على شاشة.
وهنا يأتي دور السوشيال ميديا؛ هي بالتأكيد لم تصنع كل هذه السلوكيات لكنها جعلتنا نراها بصورة لم نكن نراها من قبل. أصبحت الكاميرا موجودة في كل مكان وأصبح كل موقف قابلًا للتصوير والنشر. لكن المشكلة ليست في الكاميرا وحدها؛ المشكلة أن بعض السلوكيات التي كان الإنسان يخجل من فعلها أمام الناس أصبح البعض يفعلها أمام آلاف دون شعور بالخجل.
بل إن بعض التصرفات أصبحت تحقق انتشاراً وكأن الخطأ تحول أحياناً إلى وسيلة للشهرة. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا نقدم لأبنائنا عندما يرون أن الصوت الأعلى ينتصر وأن الأكثر جرأة هو الأكثر انتشاراً؟ كيف نطلب من الطفل أن يحترم الكبير بينما يرى الكبير نفسه يسب ويصرخ ويعتدي؟
كيف نطلب منه ضبط النفس بينما يرى أشخاصاً يفقدون السيطرة لأسباب بسيطة؟ الطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلام فقط بل يتعلمها مما يراه من الأب والأم والمدرسة والشخص الذي يجلس بجواره في المواصلات ومن الفنان الذي يحبه.
ولهذا فإن الحديث عن السلوك العام ليس رفاهية وليس موضوعاً هامشياً يمكن تأجيله؛ نحن نتحدث عن بناء الإنسان نفسه. فالإنسان الذي يحترم الطابور ويحترم الطريق ويحترم الجار والمرأة والكبير هو نفسه الإنسان الذي يمكن أن نبني به مجتمعاً أكثر أماناً ورحمة.
ولذلك عندما نتحدث عن بناء الإنسان لا يجب أن نفهم المصطلح باعتباره تعليم وشهادة ووظيفة فقط؛ بناء الإنسان يبدأ من أشياء صغيرة جداً مثل أن تقول لطفلك: «استنى دورك» وأن تعلمه ألا يرفع صوته على الكبير وأن تقول له إن الاعتذار ليس ضعفاً.
نحن بحاجة إلى إعادة هذا الميزان إلى مكانه لنعيش وسط الناس دون تصور أننا وحدنا في هذا العالم. وأحياناً أفكر أن الأزمة ليست أننا أصبحنا أكثر غضباً فقط وإنما نحن أقل قدرة على تحمل بعضنا البعض.
لم يعد لدينا صبر كافٍ لسماع الآخر ولا وقت كافٍ لفهمه ولا مساحة كافية للعفو. أصبحنا نريد كل شيء بسرعة ونغضب بسرعة ونحكم بسرعة ونهاجم بسرعة.
حتى الكلمة التي كانت تحل المشكلة أصبحنا نستبدلها بكلمات تشعلها أكثر. وهنا أتذكر أن المجتمع لا تحميه القوانين وحدها؛ القانون ضروري لكن هناك منطقة أخرى لا يصل إليها القانون وهي منطقة الضمير داخل الإنسان نفسه.
إذا عاد الضمير إلى مكانه عاد جزء كبير من التوازن وإذا اختفى فلن تكفي آلاف القوانين. ولذلك ربما نحتاج اليوم إلى التوقف قليلًا عن سؤال: «من المخطئ؟» بعد كل حادث ونسأل سؤالاً أعمق: «ماذا حدث لنا؟» ماذا حدث للأسرة والمدرسة والشارع وفكرة القدوة والذوق العام وفكرة العيش مع الآخرين وليس وحدي؟
ربما لن نستطيع تغيير المجتمع كله دفعة واحدة لكن يمكن لكل واحد منا أن يبدأ بنفسه بأن يهدأ قليلاً ويعتذر عند الخطأ ويفسح الطريق ويحترم الكبير ويرحم الأضعف ويتوقف عن تصوير مصائب الآخرين لمجرد الحصول على المشاهدة ويفكر قبل كتابة كلمة جارحة.
ربما لا نحتاج إلى معجزة كبيرة لاستعادة إنسانيتنا بل فقط إلى تذكير بما تعلمناه قديمًا قبل أن ننساه: أنه هناك أشياء لا نفعلها ليس لأن القانون يمنعنا وإنما لأننا نحترم أنفسنا والآخرين.
وهنا أعود للسؤال الذي بدأنا به: ماذا حدث لنا؟ ربما لم نفقد كل شيء وربما ما زال بداخلنا ذلك الإنسان الذي يعرف معنى الرحمة والذوق والاحترام والاعتذار وضبط النفس لكنه يحتاج فقط إلى إيقاظه مجددًا قبل أن يصبح الخطأ عاديّاً والعنف طبيعياً وقلة الأدب شجاعة والاعتذار ضعفاً والاحترام سذاجة.
فالمجتمع لا ينهار فقط عندما تزداد الجرائم بل يبدأ بالتآكل عندما يفقد أفراده إحساسهم بأن للآخر حق مثل حقهم وعلينا استعادة “سقف السلوك” الذي كنا نعرفه وإعادة كلمة “عيب” إلى قاموس حياتنا.

