الإثنين 29/يونيو/2026 – 08:21 م 6/29/2026 8:21:02 PM .

“الوفاء ليس مجرد كلمة، بل هو العمل الذي يثبت أنك لم تنسَ من أين بدأت، ومن سار معك في طريقك.” — كوفي عنان.

في أجواء المراسم الرسمية التي تميزت بخاتمة رحلة طويلة في عالم الدبلوماسية، قد يعتقد البعض أن التكريمات ما هي إلا جزء من “بروتوكول” عابر أو مجرد لفتة مجاملة لزوجة المسؤول الأول. لكن الحقيقة التي ظهرت خلال حفل وداع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط كانت أعمق بكثير؛ حيث تمثل تلك اللحظة تجسيدًا للوفاء وقصة إنسانية تربط بين سبعة عقود من النضال.
عندما وقفت السيدة ليلى كمال الدين لتستلم تكريمها، ساد اعتقاد لدى معظم الحاضرين أنها لفتة بروتوكولية من سفير الصومال تجاه زوجة الأمين العام. ولكن خلف هذا المشهد البسيط تكمن حقيقة مختلفة تمامًا؛ فالتكريم لم يكن لشخصها كزوجة مسؤول، بل كان استحضارًا لروح والدها، السفير “شهيد الدبلوماسية” محمد كمال الدين صلاح. هذا الرجل الذي لم يكتفِ بتمثيل مصر في الصومال، بل انغمس في خدمة أهلها، حيث أسس المدارس وأرسل قوافل العلم من الأزهر الشريف، ودفع ثمن مواقفه بدمه الطاهر في شوارع مقديشو عام 1957. لم يكن مجرد موظف دبلوماسي، بل كان “مهندس العلاقات المصرية الصومالية”؛ فقد حمل على عاتقه أمانة استقلال الصومال وكرّس اللغة العربية كركيزة لهويتها الوطنية، حتى أصبح اسمه جزءًا لا يتجزأ من نسيج الدولة الصومالية وذاكرتها.
ما يثير الإعجاب حقًا هو الخيط الخفي الذي يربط بين تاريخين: والد ضحى بنفسه في سبيل الدبلوماسية المصرية وابنة سارت على الدرب بثبات لتصبح رفيقة درب أحد أعمدة الدبلوماسية المعاصرة، أحمد أبو الغيط. تمثل السيدة ليلى نموذج المرأة التي نشأت في بيت دبلوماسي عريق ووعت تمامًا معنى “ضريبة المسؤولية” التي يدفعها الدبلوماسي.
لفتتني نظرات التقدير والوفاء التي غلفت المشهد؛ فالأمين العام أبو الغيط، ذلك الدبلوماسي الذي شهد الصراعات الدولية ودهاليز السياسة، لم يكن ينظر إلى هذه السيدة كزوجة تشاركه الحياة فحسب، بل كان ينظر إليها بعين التقدير لامرأة صمدت طويلاً في بيت لا يعرف الاستقرار وساهمت في “صناعة” رجل دولة طبع مسيرته بالحنكة والحكمة. إن المثابرة التي عاشتها والتضحيات الصامتة التي قدمتها تشكل جزءًا لا يتجزأ من نجاح أي دبلوماسي كبير.
لقد كانت مبادرة السفير الصومالي علي عبدي أواري بتكريمها خلال حفل تكريم أبو الغيط والسفير حسام زكي بمثابة اعتراف بأن الوفاء للشعوب لا يموت وأن الدور الذي لعبه والدها الشهيد لا يزال يُزهر في قلب مقديشو حتى بعد سبعة عقود. إن هذا التكريم لم يكن مجرد لفتة بل هو رد اعتبار لتاريخ ناصعٍ لم تزده الأيام إلا بريقًا.
هذا المشهد يذكرنا بأن وراء كل دبلوماسي قوي امرأة تحمل إرثًا من المبادئ وتفهم معنى أن يكون الوطن هو البوصلة. شكراً للسيدة ليلى كمال الدين؛ لأنها ظلت شاهدة على زمن الوفاء لتؤكد أن وراء كل رجل ناجح امرأة تتحمل المسؤولية والصعاب لتدفع بزوجها في خدمة الوطن. كما نشكر هذه اللفتة من الصومال التي أكدت لنا أن أعظم التكريمات ليست تلك المدونة في الوثائق بل تلك التي تحفر في ذاكرة التاريخ.