وسط مزيج من الدراما والغناء والكوميديا، يقدم عرض «لحظة واحدة» تجربة مسرحية إنسانية تركز على المشاعر أكثر من الأحداث، مستعرضًا عالم الفنان بعد انطفاء الأضواء، ويتناول سؤالًا مؤلمًا: ماذا يبقى للإنسان عندما يغادره التصفيق؟.

تروي مسرحية «لحظة واحدة» قصة ممثلة مسرحية متقاعدة تعيش وحدها بعد سنوات طويلة من التألق على خشبة المسرح، حيث لم تعد الشهرة جزءًا من حياتها، ولم يعد الجمهور حاضرًا فيها، لتصبح الذكريات رفيقها الوحيد في معالجة إنسانية لقضية العزلة التي قد تطارد الفنان بعد انتهاء رحلته مع الأضواء. العرض من تأليف وإخراج يوسف مراد منير، وإنتاج مركز الهناجر للفنون.

لا يتعامل النص مع الشخصية باعتبارها نجمة سابقة فحسب، بل كإنسانة تواجه مخاوفها اليومية وتسعى للتعايش مع شعورها بأن الزمن قد تجاوزها. ومن هنا تنشأ حالة من الصراع النفسي بين رغبتها في استعادة الماضي وحاجتها إلى تقبل الحاضر، مما يمنح العرض بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الوسط الفني ليصل إلى كل من يشعر بالوحدة أو التهميش.

تدور المسرحية حول ديودراما بين شخصيتين فقط: الفنانة المعتزلة سميرة، وشخص يبدو في البداية أنه ملك الموت جاء في آخر يوم من حياتها. يدور بينهما حوار طويل عن حياتها وذكرياتها ورسالة المسرح ومعنى الفن. وفي النهاية يتضح أن هذا الشخص ليس ملك الموت بل جارها الشاب العاشق للمسرح، مما ينشئ علاقة قائمة على الحوار والتفاهم بعيدًا عن القوالب التقليدية. الشاب لا يمثل مجرد شخص جديد في حياتها، وإنما يصبح نافذة تطل منها على المستقبل بينما تمنحه هي خلاصة سنوات طويلة من الخبرة والحياة في علاقة تتبادل فيها التأثير بين جيلين مختلفين.

تقدم الفنانة ماجدة منير شخصية الممثلة المتقاعدة بحضور لافت، مستندة إلى خبرتها الطويلة على خشبة المسرح. تمكنت من تقديم شخصية تتأرجح بين القوة والانكسار والحنين والاستسلام، مع قدرة واضحة على نقل التحولات النفسية عبر أدائها الهادئ وتعبيرات وجهها ونبرة صوتها.

في المقابل، يقدم الفنان إسلام شوقي أداءً يعتمد على التلقائية والبساطة ليشكل حالة من التوازن مع البطلة. تنجح الثنائية بينهما في خلق مساحة إنسانية صادقة تجعل المتلقي يتفاعل مع تفاصيل العلاقة التي تنمو تدريجيًا طوال العرض.

اعتمد المخرج والمؤلف يوسف مراد منير رؤية بسيطة بعيدة عن الزحام البصري مع توظيف جيد للإضاءة التي لعبت دورًا مهمًا في الانتقال بين الواقع والذكريات. كما جاء الديكور معبرًا عن حالة السكون التي تعيشها البطلة ليصبح المكان امتدادًا لحالتها النفسية. ساهمت الموسيقى أيضًا في تعزيز الإيقاع العام للعرض وإضفاء المزيد من الدفء على مشاهده.

لا تكتفي «لحظة واحدة» بسرد حكاية امرأة تواجه الشيخوخة والوحدة فحسب، بل تدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بكبار السن وبالفنانين الذين صنعوا جزءًا من ذاكرة المجتمع ثم ابتعدوا عن المشهد. كما تؤكد أن الإنسان يبقى بحاجة إلى الاهتمام والتقدير مهما بلغ عمره أو حقق نجاحات.

يقدم العرض رسالة بسيطة لكنها مؤثرة مفادها أن لحظة واحدة قد تكون كافية لتغيير مسار حياة كاملة وأن الأمل قد يأتي من حيث لا نتوقع. لذا يخرج الجمهور من المسرحية وهو يحمل إحساسًا بأن الدفء الإنساني لا يزال قادرًا على الانتصار على الوحدة وأن أجمل ما في الحياة هو أن يجد الإنسان من يشاركه لحظاته مهما تأخر اللقاء.