لا يختلف اثنان على أن مصر واجهت ظروفًا استثنائية، بدءًا من جائحة عالمية وصولًا إلى اضطرابات إقليمية وضغوط اقتصادية خارجية. ومع ذلك، فإن وجود هذه التحديات لا يمنع من تقييم السياسات الداخلية، ولا يعفي أي حكومة من مراجعة أدواتها إذا لم تحقق النتائج المرجوة.
إذا أرادت حكومة الدكتور مصطفى مدبولي إجراء تقييم حقيقي لتجربتها، فلا تحتاج إلى خطابات مطولة، بل إلى قراءة صريحة للموازنة العامة. فالأرقام لا تجامل أحدًا، وهي التي تجيب عن السؤال الأهم: هل أصبح الاقتصاد أكثر إنتاجًا؟ وهل توسعت القاعدة الصناعية؟ وهل ازداد عدد المشروعات الناجحة والمستمرة؟ وهل أصبح المستثمر قادرًا على فتح مشروعه بسهولة أكبر؟ وهل يشعر المواطن بأن مستوى معيشته قد تحسن بما يتناسب مع الأعباء التي تحملها؟
عندما تضيق الموارد، لا تُختبر قوة الدول بقدرتها على تحصيل المزيد من الأموال، وإنما بقدرتها على إدارة ما لديها بكفاءة أعلى. فالحكومات الرشيدة تبدأ بنفسها قبل أن تبدأ بجيوب مواطنيها، وتراجع إنفاقها قبل أن تراجع دخول الناس، وتغلق أبواب الهدر قبل أن تفتح أبواب الرسوم.
بعد سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية المتعاقبة، يحق للمواطن أن يطرح السؤال الذي لا ينبغي لأحد أن يغضب منه: ماذا كانت الحصيلة؟
لقد اعتادت الحكومة اللجوء إلى الأدوات نفسها كلما واجهت ضغوطًا مالية؛ مثل زيادة أسعار الوقود والكهرباء والمياه والخدمات، إعادة هيكلة الدعم، فرض رسوم جديدة أو زيادة رسوم قائمة، التوسع في الضرائب المباشرة وغير المباشرة، وتعديل قيم العديد من الخدمات الحكومية. كما اعتمدت أيضًا على الاقتراض لتمويل احتياجات الموازنة والاستثمارات العامة.
قد تكون لكل أداة مبرراتها في ظروف معينة، لكن المشكلة ليست في استخدامها مرة واحدة فقط، وإنما في تحولها إلى النهج شبه الدائم لإدارة الأزمة.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله: إذا كانت الأدوات هي نفسها، فلماذا ننتظر نتائج مختلفة؟ يكفي أن تنظر الحكومة إلى الموازنة العامة للدولة. كم ارتفع حجم الدين العام خلال السنوات الماضية؟ وكم أصبحت خدمة الدين تستحوذ على جانب كبير من الإنفاق العام؟
وكم تذهب المليارات لسداد الفوائد والأقساط مقارنة بما يوجه إلى التعليم والصحة والبحث العلمي والإنتاج؟ وهل استطاعت هذه السياسات تخفيف العبء عن المواطن أم أصبح المواطن هو الطرف الذي يتحمل النصيب الأكبر من كلفة التصحيح الاقتصادي؟
ثم سؤال آخر لا يقل أهمية: هل راجعت الحكومة إنفاقها بالصرامة نفسها التي راجعت بها إنفاق الأسر المصرية؟ هل تقلصت المصروفات غير الضرورية؟ وهل أُغلقت منافذ الهدر كافة؟ وهل خضعت كل جهة للمراجعة والمساءلة قبل مطالبة المواطن بمزيد من التضحيات؟
إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بزيادة الإيرادات بل بجودة هذه الإيرادات. فهناك فرق بين دولة تنمو لأنها تنتج ودولة تزيد دخلها لأنها تفرض مزيدًا من الرسوم والضرائب. الأولى تبني اقتصادًا قادرًا على الاستمرار والثانية قد تحقق حصيلة آنية لكنها تخاطر بإضعاف الاستثمار والإنتاج إذا زادت الأعباء دون إصلاحات موازية في بيئة الأعمال وكفاءة الإنفاق.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ والعدل هنا يقتضي توزيع أعباء الإصلاح بصورة منصفة وأن تبدأ الدولة بنفسها قبل أن تطلب من مواطنيها مزيدًا من التحمل.
إن الدولة العظيمة لا تقيس نجاحها بما تحصل عليه من المواطن بل بما تمكنه من إنتاجه. ولا تُبنى الاقتصادات بكثرة الجباية وإنما بكثرة المصانع والمزارع والشركات والمبتكرين والمصدرين.
لذا فإن اللحظة الراهنة تحتاج إلى تحول في الفلسفة وليس مجرد تعديل في الأرقام فقط. تحتاج إلى اقتصاد يقوده الإنتاج قبل التحصيل والاستثمار قبل الرسوم وتبسيط الإجراءات قبل فرض أعباء جديدة ومراجعة الإنفاق العام قبل مطالبة المواطن بجولة جديدة من الصبر.
فالسؤال الذي ينتظر المصريون إجابته ليس: ما الرسوم الجديدة؟ ولا: كم سترتفع الأسعار؟ بل هو سؤال أبسط وأعمق: متى يصبح النمو الحقيقي هو المصدر الأساسي لزيادة إيرادات الدولة بدلًا من أن يبقى جيب المواطن هو الخيار الأسهل كلما اشتدت الأزمة؟

