في كشك صغير على ناصية شارع سوريا، يطلب الموظف الإداري بشركة خاصة، محمد زناتي، من البائع: “هات 3 فرط”، بعد أن تفقد جيبه ولم يجد فيه سوى القليل من النقود.
أصبحت علبة السجائر التي كانت تلائم ميزانية المدخن قبل سنوات، اليوم قادرة على استهلاك جزء كبير من دخله. ومع كل زيادة جديدة في الأسعار، يعيد زناتي حساباته بسرعة؛ إما بتقليل عدد السجائر أو تغيير النوع أو شراء السجائر بالفرط بدلاً من العلبة، أو البحث عن تبغ أرخص، حتى لا تنقطع عادته.
انخفضت نسبة المدخنين بين السكان الذين تتجاوز أعمارهم 15 عامًا إلى 14.2% في عام 2024، مقارنةً بـ17% في عام 2022 و17.7% في عام 2020، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وبحسب البيانات المتاحة، يبلغ عدد المدخنين نحو 10.3 مليون شخص. لكن التراجع في نسبة المدخنين لم يقابله تراجع مماثل في فاتورة التدخين؛ إذ كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن متوسط الإنفاق السنوي على التدخين بلغ نحو 16.2 ألف جنيه للأعلى إنفاقًا خلال عام 2025، مقارنةً بـ1700-5200 جنيه سنويًا في عام 2010.
المدخن أمام “سلم الأسعار”
يتضمن السوق المصري شرائح سعرية متنوعة؛ حيث تبلغ أسعار منتجات “فيليب موريس” المعلنة للمستهلك 111 جنيهًا لعلامة “ميريت” و102 جنيه لعلامة “مارلبورو” و82 جنيهًا لعلامة “L&M” و79 جنيهًا لعلامة “مارلبورو كرافتد”. بينما تصل أسعار منتجات التبغ المسخن إلى 82 جنيهًا لمنتج “TEREA” و69 جنيهًا لمنتج “HEETS” وفق الأسعار المعلنة من الشركة.
وفي الجهة الأخرى، تقف الفئة الشعبية حيث يبلغ سعر بعض منتجات الشركة الشرقية نحو 48 جنيهًا للعبوة. هذا الفارق ليس بسيطًا بالنسبة للمدخن الذي يستهلك علبة يوميًا؛ فمن يشتري علبة بسعر 111 جنيهًا يوميًا يدفع نحو 3330 جنيهًا شهريًا، بينما تنخفض الفاتورة إلى 1440 جنيهًا عند شراء علبة بسعر 48 جنيهًا. الانتقال من الفئة الأعلى إلى الشعبية قد يوفر للمدخن نحو 1890 جنيهًا شهريًا.
بالنسبة لمن يحصل على صافي دخل شهري قدره 8000 جنيه، فإن تدخين علبة يوميًا بسعر 48 جنيهًا يعني إنفاق نحو 18% من الدخل الشهري على السجائر، بينما تصل النسبة إلى أكثر من 41% عند استهلاك علبة يومية بسعر 111 جنيهًا.
“أقل سعرًا” لا يعني “أقل استهلاكًا”
عندما ترتفع تكلفة النوع الذي اعتاد الزبون شراءه، يمكن أن يبدأ التكيف بتغيير العلامة التجارية ثم تقليل الكمية أو شراء سجائر فرط أو الاتجاه إلى التبغ الملفوف. يقول صاحب كشك سجائر بشارع دمشق ربيع الإسناوي لـ”مصراوي”: “يدفع التضخم جزءاً من المستهلكين إلى إعادة توزيع إنفاقهم داخل سوق التبغ بدلاً من الخروج منه.”.
فالمدخن الذي كان ينفق أكثر من ثلاثة آلاف جنيه شهرياً على علامة مرتفعة السعر يستطيع بمجرد الانتقال إلى فئة شعبية أن يخفض فاتورته بأكثر من النصف. ويضيف بائع محل معتوق للتبغ بوسط البلد أن عدد السجائر التي يدخنها الزبون قد لا ينخفض بالقدر نفسه مع انخفاض التكلفة واستهلاك التدخين.
سوق ضخم رغم تراجع نسبة المدخنين
بلغ حجم سوق السجائر ومنتجات التبغ المسخن في مصر نحو 87.3 مليار وحدة خلال عام 2025 وفق البيانات المنسوبة إلى “بلومبرج”. وشهدت شحنات “فيليب موريس” زيادة سنوية قدرها %8.9 لتصل إلى نحو 26 مليار وحدة خلال العام نفسه، بما يعادل حوالي %30 من إجمالي السوق وفق البيانات المتاحة.
وفي سوق السجائر الشعبية، سجلت الشركة الشرقية نموًا ملحوظاً؛ حيث بلغت مبيعاتها من السجائر الشعبية نحو 56 مليار سيجارة خلال العام المالي 2024-2025 مقابل حوالي 44 ملياراً في العام السابق وفق البيانات الواردة عن الشركة.
كما ارتفعت قيمة المبيعات المحلية للسجائر والمعسل شاملة ضريبة القيمة المضافة ورسم التأمين الصحي الشامل إلى نحو105.1 مليار جنيه خلال العام المالي الجاري مقابل63.7 مليار جنيه في العام السابق.
عندما تتحول العلبة إلى “سيولة يومية”
يقول الخبير الاقتصادي خالد الشافعي لـ”مصراوي”: “شراء السجائر بالسيجارة بدلًا من العلبة كاملة لا يخفض بالضرورة التكلفة على المدى الطويل لكنه يغير طريقة الدفع.” ويضيف أن المدخن الذي لا يستطيع دفع ثمن العلبة مرة واحدة يمكنه شراء سيجارة أو اثنتين خلال اليوم، وهذه ليست بالضرورة عملية توفير ولكنها تجزئة للإنفاق.
الأرقام المتاحة تشير إلى أن التضخم وحده ليس السبب وراء تراجع نسبة المدخنين من %17.7 في عام2020 إلى %14.2 في عام2024 وفق الشافعي كما أنها لا تثبت وحدها أن كل من استمر في التدخين انتقل إلى منتجات أرخص.
المدخن الذي يخرج من السوق يقلل عدد المستهلكين لكن المدخن الذي يبقى قد يدفع أكثر أو يغير المنتج أو طريقة الشراء. وبين الإقلاع وتقليل الكمية والنزول إلى فئة سعرية أقل والشراء المجزأ تتشكل اقتصاديات جديدة للنيكوتين تحت ضغط التضخم.
خرج زناتي بـ3 سجائر من لدى صاحب الكشك لكنه لم يتخل عن دائرة التدخين؛ فالأسعار استطاعت تغيير ما يشتريه وكيف يشتريه وكم يدفع مقابله لكنها لم تغير العادة نفسها.

