بشكل ما، تسير جميع مسارات الصحافة في اتجاه واحد.
لقد شهدت الصناعة تغييرات جذرية وستستمر في ذلك. كل ما يعرفه الصحفيون عن جمهورهم يتآكل بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الصحفية على التكيف.
أشار تقرير رويترز 2026 (Reuters Institute for the Study of Journalism) إلى عصر ما بعد المواقع الصحفية، عصر المنصات، لكن ما لم يُذكر هو أن عصر المنصات ليس نهاية التحول، بل يبدو كمرحلة وسطى، حيث لن تتوقف الصحافة الجديدة عندها طويلاً، وسرعان ما سنشهد عصرًا أكثر اضطرابًا، وهو على الأرجح عصر صحافة الوكلاء الذكيين.
الوكيل يسرق البوابة ويرث الجمهور
من لا يتكيف مع متطلبات العصر الحالي (عصر المنصات وما بعد المواقع)، والعصر القادم (عصر الوكلاء الذكيين)، سيخسر رهان البقاء بشكل كامل. وسيصبح جزءًا من التاريخ مثل كورييه والتنكيت والتبكيت واللطائف والسياسة والبلاغ.
خلال عامين فقط، لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد هامشي أو أساسي فحسب، بل سيلتهم كل شيء إذا استمرت وتيرة التطور الحالية.
سيكون بمثابة عقل للصحفي يحلل ويكتب الخلاصات ويفهم البيانات الكبرى ويستخرج منها المعاني، مما سيؤدي إلى ثورة كبرى تغير العرض الصحفي بالكامل وتجعل الوسائط المتعددة متوافقة مع رغبات الجمهور.
لكن الأخطر من ذلك هو أنها ستلتهم تمامًا العلاقة بين القائم بالاتصال والوسيلة والجمهور.
في البداية، ستقزم الوسيلة وتعزل القائم بالاتصال عنها، ثم سترث الوسيلة وتحجبها عن الجمهور، لتصبح هي الوكيل الذي يقرأ الرسالة ويعيد صياغتها وفق احتياجات القارئ ورغباته. بدلاً من أن يبحث القارئ عن الأخبار، سيكون لديه وكيل ذكاء اصطناعي شخصي يتابع مئات المصادر ويختار ما يناسب اهتماماته ويلخصه ويقارن بين الروايات ويقترح أسئلة أو تحليلات إضافية.
رغم أن مصطلح صحافة الوكلاء الذكيين (Agentic Journalism) ليس راسخًا بعد في الأدبيات الأكاديمية، إلا أنه يعكس اتجاهًا بدأ يظهر مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents). هذه الظاهرة تختلف عن مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرفة الأخبار؛ إذ تتعلق بتغيير جذري في طريقة وصول الأخبار إلى الجمهور.
في النموذج التقليدي، كان الموقع حلقة وصل بين القائم بالاتصال (المؤسسة الصحفية) والمتلقي (الجمهور). أما الآن – حتى بدون إدراك المؤسسات الصحفية – باتت المنصات هي حلقة الوصل بين المؤسسات وجمهورها.
النموذج الجديد الذي يتشكل بقوة سيستبدل الوسيلة بوكيل ذكاء اصطناعي شخصي يحلل الرسالة ويبلورها وفق احتياجات القارئ الشخصية ويضيف إليها معاني جديدة.
هذا التغيير الديناميكي يمكن تلخيصه بهذه المعادلات الثلاثة:.
أي أن القارئ لن يفتح موقعًا إخباريًا أو تطبيقًا بالضرورة، بل سيطلب من وكيله الذكي: “أخبرني بأهم تطورات أزمة الطاقة اليوم وقارن بين تغطية المصادر المختلفة واستبعد الأخبار غير المؤكدة.” فيقوم الوكيل بجمع الأخبار وتحليلها وترتيبها وتقديمها في صورة واحدة.
هذا السيناريو المستقبلي ليس خيالاً؛ فمعظم شركات التكنولوجيا الكبرى تتجه بالفعل لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ المهام نيابة عن المستخدمين بينما تتحول محركات البحث تدريجيًا من عرض الروابط إلى تقديم الإجابات المباشرة.
وإذا اكتمل هذا المسار، فقد يصبح وكيل الذكاء الاصطناعي هو البوابة اليومية التي تمر عبرها الأخبار قبل وصولها إلى القارئ.
كيف يؤثر هذا النموذج على الصحافة التي نعرفها؟
في هذا النموذج المتوقع، لن تتنافس المؤسسات على جذب الزائر إلى الموقع بل على أن تصبح مصدرًا موثوقًا يغذي وكلاء الذكاء الاصطناعي بالمحتوى.
هذا يتطلب الاستثمار في البيانات المنظمة والشفافية والمحتوى الأصلي الذي يصعب تقليده.
فالوكيل لن يهتم بـ”العنوان الجذاب” أو “الصور الملفتة” بل سيركز على دقة المعلومات وحداثتها ووضوح المصدر وجودة البيانات المنظمة والسمعة التحريرية للمؤسسة.
في المنافسة على ثقة الوكيل، ستضطر الصحافة إلى إنتاج أنماط وطبقات متعددة من القصة الواحدة. بدلاً من نشر مقال واحد قد تنتج المؤسسة الإخبارية: ملخص سريع- خبر كامل- قاعدة بيانات- جدول زمني- أسئلة وأجوبة- بيانات قابلة للقراءة آليًا ليختار الوكيل الذكي ما يناسب طلب المستخدم.
بمعنى آخر ستتراجع أهمية تقنيات جذب النقرات بينما سترتفع أهمية الموثوقية والبنية التقنية للمحتوى. وستتنافس الصحافة على ثقة الوكلاء بدلاً من ثقة القراء أو السعي لجذبهم إلى الموقع أو المنصة. لذا من المحتمل أن تتغير المنتجات الصحفية لتأخذ أشكالاً مثل قواعد بيانات محدثة لحظيًا وواجهات برمجة تطبيقات (APIs) للأخبار وخلاصات بيانات منظمة تغذي الوكلاء وصفحات أسئلة وأجوبة قابلة للاستهلاك آليًا وملفات معرفية عن الشخصيات والقضايا.
حتى طريقة قياس نجاح الصحافة ستتغير؛ فبدلاً من التركيز على عدد الزيارات وعدد الصفحات المقروءة ستظهر مؤشرات جديدة مثل عدد مرات استشهاد الوكلاء بمحتوى المؤسسة ومعدل اختيار الوكيل لمحتوى المؤسسة مقارنة بالمنافسين ونسبة الإجابات المعتمدة على بيانات المؤسسة ومستوى الثقة الذي تمنحه أنظمة الذكاء الاصطناعي للمصدر.
ما الذي يجب أن تفعله المؤسسات الصحفية؟
إذا أرادت المؤسسات الاستعداد لهذا التحول فعليها فوراً تكثيف الاستثمار في التكيف مع عصر المنصات وملخصات الـAI والـZero clicks ليس فقط للتأقلم مع عصر المنصات ولكن للاستعداد لعصر وكلاء الذكاء الاصطناعي المحتمل.
• إنتاج محتوى أصلي يصعب على الوكلاء استبداله بمصادر أخرى.
• تنظيم المحتوى والبيانات بحيث تكون سهلة الفهم للأنظمة الذكية.
• الشفافية التحريرية: توضيح المصادر والمنهجية وتوقيت التحديث.
• بناء قواعد بيانات معرفية بجانب المقالات التقليدية.
• تطوير منتجات قابلة للتكامل مع تطبيقات ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
تشير المؤشرات إلى أن عصر المنصات سيؤدي إلى تغييرات طفيفة في شكل صناعة الصحافة الحالي وسيستبدل المواقع بالمنصات كما سبق وأن استبدلت المواقع الصحف الورقية. لكن مؤشرات عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي المتوقع أكثر رعباً؛ فالصناعة كلها لن تبقى كما هي: سيصبح وكيل الذكاء الاصطناعي بوابة الأخبار مما يبعد المؤسسات بشكل كامل عن الجمهور ويعقد إشكالات جوهرية:
• فمن سيملك العلاقة مع الجمهور؟
• ومن سيملك الاشتراك؟
• ومن سيبيع الإعلان؟
• ومن سيملك بيانات المستخدم؟
• ومن سيملك سلطة تعريف الحقيقة الصحفية؟
الخلاصة: في كل مرحلة من تاريخ الصحافة تغيّر الوسيط: من الصحيفة إلى الموقع ومن الموقع إلى المنصة وقد يكون التحول التالي من المنصة إلى وكيل ذكاء اصطناعي شخصي لكن هذا الأخير سيكون تغييراً ثورياً للصناعة يستولي على الجمهور ويضع النموذج الربحي الحالي في أزمة كبيرة ويهدد “الحقيقة الصحفية” الجماعية. تغييرات ستقلب الصناعة رأساً على عقب: ماذا لو امتلك كل قارئ رئيس تحريره الخاص؟ وماذا لو سُرقت الوسيلة من المؤسسات وانقطعت علاقتها بالجمهور لدرجة أن المؤسسة لا يمكنها معرفة من قرأ رسالتها؟

