قبل أربع سنوات، كانت سارة، ابنة قرية خزام التابعة لمركز قوص في محافظة قنا، تجلس على مقاعد الدراسة في الصف الثاني الإعدادي، طالبة متفوقة تحلم بمستقبل مشرق. لم تكن تعلم أن قرار انفصال والديها سيغيّر مسار حياتها بالكامل. بعد زواج كل منهما من جديد، منعها والدها من استكمال تعليمها، لتنتهي رحلتها التعليمية عند هذا الحد.

تنقلت سارة، البالغة من العمر 19 عامًا، بين منزل والدها ووالدتها المنفصلين، وأقامت لفترات لدى جدتها من جهة الأم. لكن حياتها لم تكن مستقرة. وبحسب التحقيقات، تعرضت لسلسلة من الانتهاكات بدأت بحبسها داخل غرفة وتقييدها بدعوى “التأديب”.

قبل أربع سنوات، لجأت سارة إلى القانون وحررت محضرًا اتهمت فيه والدها بحبسها وتقييدها داخل غرفة. انتهت الواقعة آنذاك بالصلح بعدما تعهد الأب بعدم التعرض لها مرة أخرى.

لكن التعهد لم يكن نهاية المعاناة. فقد توصلت التحقيقات إلى أن الأب احتجز ابنته داخل غرفة لمدة عام ومنع عنها الطعام والشراب خلال الشهر الأخير من احتجازها، حتى فارقت الحياة جوعًا.

وعقب اكتشاف الواقعة، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على الأب وقررت جهات التحقيق حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات لاتهامه بقتل ابنته. تم نقل جثمان سارة إلى المشرحة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وأمرت جهات التحقيق بإحالة الأب المتهم إلى محكمة جنايات قنا.

تكشف قضية سارة، وفق ما ورد في التحقيقات، عن مسار ممتد من العنف الأسري بدأ بحرمان فتاة من حقها في التعليم وتطور إلى احتجاز وتعذيب قبل أن ينتهي بوفاتها داخل الغرفة التي بقيت حبيسة جدرانها.

لكن سارة لم تكن الوحيدة. فقبل نحو عام من بداية معاناتها، كانت أمل ابنة قرية حجازة التي تبعد عن مسقط رأس سارة قرابة 40 كم تخوض تجربة مشابهة. اختلفت التفاصيل ولكن تشابهت البدايات؛ أسرة مفككة وفتاة تُحرم من حق تقرير مصيرها وعنف يمارس باسم “التأديب” و”الحفاظ على الشرف”.

بدأت مأساة أمل مبكرًا. قبل أن تكمل عامها السادس عشر انفصل والداها وسارع الأب بالزواج من إحدى قريباته بينما غادرت الأم المنزل بعد تعرضها لأزمة نفسية. عاشت أمل مع والدها وزوجة أبيها في منزل متواضع بقرية حجازة قبلي التابعة لمركز قوص.

في نهاية عام 2020 حاولت زوجة الأب إقناع أمل بالزواج من أحد أقارب الأسرة. رفضت أمل وأبلغت أسرتها بأنها تريد اختيار شريك حياتها بنفسها. لم يكن الرفض مجرد خلاف عائلي بل كان – وفق التحقيقات – بداية لسلسلة من الاعتداءات الجسدية والنفسية.

هربت أمل من المنزل في محاولة للوصول إلى خالتها في أسوان لكنها استقلت قطارًا متجهًا إلى القاهرة بالخطأ. وهناك التقت بسائق سيارة أجرة ساعدها على العودة إلى أسرتها معتقدًا أنه يعيدها إلى منزلها.

في الخامس من يونيو 2021 عادت أمل إلى المنزل لتبدأ ثلاثة أيام من الاحتجاز والتعذيب بحسب أوراق القضية. احتُجزت داخل غرفة وحُرمت من الطعام والشراب وتعرضت للضرب والإهانة.

وفي اليوم الثالث قدمت لها زوجة والدها كوبًا من الشاي مؤكدة أن العقاب انتهى. وما إن تناولت الفتاة محتوى الكوب حتى سقطت أرضًا تتلوى من الألم.

تشير التحقيقات إلى أن نقل أمل إلى المستشفى تأخر عدة ساعات وعندما وصلت إلى مستشفى قوص المركزي كانت عاجزة عن الكلام فسلّم لها أحد ضباط الشرطة ورقة وقلمًا لتدوين ما حدث. كتبت عبارة واحدة كانت كافية لبدء كشف الحقيقة: “مرات أبويا هي اللي شربتني شاي بالسم”.

قاد ما كتبته أمل قوة الشرطة إلى منزل الأسرة حيث اعترفت زوجة الأب وفق محضر التحقيق بتورطها في تسميم الفتاة كما كشفت التحقيقات عن اتهام والد أمل بالمشاركة في احتجاز ابنته وتأخير إسعافها في محاولة لإظهار الواقعة على أنها انتحار.