يقول الصينيون “إن وترًا واحدًا لا يصنع لحنًا، وشجرة واحدة لا تشكل غابة”.. بهذه الحكمة البليغة اختتم الرئيس الصيني شي جين بينغ كلمته أمام المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي والاجتماع الرفيع المستوى للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، المنعقد في شنغهاي في السابع عشر من يوليو الجاري.

لم يكن استدعاء هذا المثل الشعبي مجرد لمسة بلاغية، وإنما كان تلخيصًا مكثفًا للرؤية الصينية تجاه واحدة من أهم القضايا التي ستشكل مستقبل البشرية خلال العقود المقبلة، وهي كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي وإدارته بصورة تحقق التنمية وتحافظ في الوقت ذاته على الأمن والعدالة بين الدول.

الرسالة التي أراد الرئيس الصيني إيصالها إلى العالم كانت واضحة: لا تستطيع دولة واحدة، مهما امتلكت من قدرات علمية أو اقتصادية، أن تنفرد بصياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي أو أن تحتكر ثماره.

فالتكنولوجيا التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسوق العمل والتعليم والصحة وحتى مفاهيم الأمن القومي تحتاج إلى تعاون دولي واسع وإلى قواعد مشتركة تضمن أن تكون في خدمة الإنسانية جمعاء، لا أداة لتعميق الفجوة بين الدول أو فرض الهيمنة عليها.

ما طرحه الرئيس الصيني لا يمثل تحولًا مفاجئًا في السياسة الصينية، وإنما هو امتداد طبيعي لمسار استراتيجي بدأ قبل نحو عشر سنوات، عندما أصدر مجلس الدولة الصيني في يوليو 2017 “خطة الجيل الجديد لتطوير الذكاء الاصطناعي”، التي وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في جعل الصين الدولة الرائدة عالميًا في هذا المجال بحلول عام 2030.

منذ ذلك التاريخ، تعاملت الصين مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا وطنيًا متكاملًا وليس مجرد قطاع اقتصادي جديد. فقد ربطت بين تطوير التكنولوجيا وبناء الكوادر البشرية وتعزيز البحث العلمي وتوسيع التطبيقات الصناعية ووضع الأطر القانونية والأخلاقية المنظمة لاستخدام هذه التقنيات.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول الصين خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكبر القوى العالمية في الذكاء الاصطناعي سواء من حيث حجم الاستثمارات أو عدد براءات الاختراع أو سرعة توظيف التكنولوجيا في الصناعة والخدمات والإدارة الحكومية.

في تقديري، يعكس هذا الخطاب انتقال الصين من مرحلة بناء قدراتها الوطنية في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أكثر طموحًا تتمثل في المشاركة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية لهذه التكنولوجيا.

لذلك جاء عنوان خطابه معبرًا بدقة عن هذا التوجه عندما دعا إلى “العمل يدًا بيد على إقامة منظومة عادلة ومنصفة للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي” مؤكدًا أن التطور التكنولوجي يجب أن يكون قوة دافعة للتنمية المشتركة لا سببًا في خلق انقسامات جديدة بين الدول.

ولم يكتفِ الرئيس شي جين بينغ بعرض رؤية عامة أمام المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي بشنغهاي، بل قدم إطارًا متكاملًا لحوكمة الذكاء الاصطناعي يقوم على أربعة مرتكزات رئيسية:.

  • أولها تعزيز الانفتاح والتعاون وتقاسم ثمار الابتكار بما يضمن استفادة جميع الدول من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.
  • وثانيها بناء منظومة فعالة لإدارة المخاطر تضمن بقاء هذه التكنولوجيا تحت سيطرة الإنسان ومنع إساءة استخدامها أو توظيفها لأغراض تهدد الأمن والاستقرار.
  • أما المرتكز الثالث فيتمثل في احترام التنوع الحضاري والاستفادة المتبادلة بين الثقافات.
  • بينما يدعو المرتكز الرابع إلى تعزيز التعددية وتفعيل الدور المحوري للأمم المتحدة في وضع قواعد الحوكمة العالمية لهذه التكنولوجيا.

هذه المبادئ الأربعة تعكس بوضوح فلسفة الصين في إدارة العلاقات الدولية، وهي الفلسفة التي دأبت بكين على طرحها خلال السنوات الأخيرة في معظم مبادراتها الدولية سواء عبر مبادرة الحزام والطريق أو مبادرة التنمية العالمية أو مبادرة الأمن العالمي أو مبادرة الحضارة العالمية. اليوم نراها تمتد إلى ميدان الذكاء الاصطناعي محاولةً إرساء قواعد جديدة للتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها منفعة عامة للبشرية وليس أداة للهيمنة أو الاحتكار.

ومن اللافت للنظر أن الرئيس شي لم يكتفِ بالدعوة إلى التعاون بل أعلن مجموعة من المبادرات العملية التي تؤكد أن الصين تسعى إلى تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس. فقد أعلن عن تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي في شنغهاي كمنصة جديدة لتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال. كما أعلن أن الصين ستوفر خلال السنوات الخمس المقبلة خمسة آلاف فرصة للدراسة والتدريب في مجال الذكاء الاصطناعي للدول النامية بالإضافة إلى إنشاء مراكز للتعاون مع عدد من المنظمات والتجمعات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

وأعتقد أن الإشارة المباشرة إلى جامعة الدول العربية تستحق التوقف عندها لأنها تعكس إدراكاً صينياً متزايداً للدور الذي يمكن أن تؤديه الدول العربية في الاقتصاد الرقمي العالمي كما تفتح الباب أمام آفاق واسعة للتعاون العربي الصيني في مجالات بناء القدرات ونقل التكنولوجيا والبحث العلمي وتطوير التطبيقات الذكية.

لذا فإن القمة العربية الصينية المرتقبة هذا العام تمثل فرصة مهمة لوضع الذكاء الاصطناعي والتعاون الرقمي على رأس أجندة الشراكة بين الجانبين بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التنمية المستدامة.

ومن واقع خبرتي في متابعة تطور العلاقات المصرية الصينية أرى أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذه المبادرات خاصةً فيما تشهده من توسعٍ بمشروعات التحول الرقمي وبناء المدن الذكية وتطوير البنية التحتية التكنولوجية. كما يمكن أن يسهم التعاون مع الصين في مجالات التدريب والبحث العلمي وتوطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي بإعداد كوادر وطنية قادرة على المنافسة ضمن الاقتصاد العالمي الجديد.

تدرك الصين أن المنافسة في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم فقط بالتفوق التقني بل أيضًا بالقدرة على المشاركة بوضع القواعد والمعايير التي تحكم استخدام هذه التقنيات. ولذلك فإن بكين تسعى لأن تكون قوة تكنولوجية كبرى وشريكاً رئيسياً أيضًا في صياغة مستقبل الحوكمة العالمية.

لقد بدأ هذا المسار بخطة وطنية طموحة عام 2017 وتطور عبر بناء منظومة متكاملة للابتكار والتنظيم ثم بلغ اليوم مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح على العالم والدعوة لحوكمة دولية أكثر عدالة وشمولاً. ومن هنا فإن المثل الصيني الذي اختتم به الرئيس شي جين بينغ كلمته لم يكن مجرد خاتمة أدبية بل رسالة استراتيجية للعالم مفادها أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يصنعه وتر واحد ولن تبنيه دولة واحدة وإنما سيمضي للأمام عندما تتحول المنافسة إلى تعاون والتكنولوجيا إلى جسر للتنمية المشتركة. وربما لهذا السبب اختار الرئيس الصيني مخاطبة العالم بحكمة صينية عمرها مئات السنين ليؤكد أن اللحن الأجمل لا تصنعه آلة واحدة بل تعزفه أوركسترا تتناغم فيها جميع الآلات.