في عالم يموج بالأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، حيث تتصاعد الحروب والصراعات، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى النزاع الإيراني الأمريكي، وما صاحبها من اضطرابات في حركة التجارة العالمية وأزمة مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والطاقة وتكاليف الشحن والنقل، أصبحت قدرة الدول على تأمين احتياجات شعوبها الأساسية تحديًا حقيقيًّا.

ورغم أن مصر ليست من الدول الكبرى اقتصاديًّا، إلا أنها تبرز كحالة مميزة في الحفاظ على توافر السلع الأساسية وتأمين احتياجات المواطنين. حيث تمتلك مخزونات استراتيجية تكفي لفترات ممتدة.

فالقمح، الذي يمثل عنصرًا أساسيًّا في غذاء المصريين، ما زال متاحًا، والدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من تكلفة الخبز المدعم. كما لا نشهد أزمة حقيقية في السكر أو الأرز أو الزيوت أو غيرها من السلع الضرورية، بفضل المتابعة المستمرة للمخزون وتأمين احتياجات السوق.

قد تبدو مائدة الإفطار المصرية بسيطة: رغيف خبز، وطبق فول، وبيضة، وكوب شاي، وربما سيجارة. لكن هذه المكونات تمثل منظومة اقتصادية ولوجستية ضخمة؛ فالقمح والفول والبيض والشاي جميعها مرتبطة بالإنتاج والاستيراد والنقل والطاقة والشحن والتأمين.

لذا فإن الحفاظ على توافر هذه السلع في ظل اضطراب الأسواق العالمية ليس أمرًا عابرًا، بل هو جزء أساسي من الأمن الغذائي والقومي.

ولا يعني ذلك أن الأسعار لم ترتفع؛ فالمواطن يشعر بوطأة الغلاء ومن حقه أن يطالب بمزيد من الرقابة وضبط الأسواق. ولكن هناك فارقًا كبيرًا بين ارتفاع سعر السلعة وبين اختفائها أو عدم القدرة على توفيرها.

تشير تقارير دولية إلى أن مليارات البشر حول العالم لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي. وهذا يؤكد أن قضية الغذاء لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت قضية أمن واستقرار للدول والمجتمعات.

وفي الوقت الذي تعاني فيه دول من اضطراب سلاسل الإمداد وصعوبة توفير بعض احتياجاتها الأساسية، تبقى المحافظة على تدفق السلع ووجود مخزون استراتيجي في مصر أمرًا يستحق التقدير. قد نختلف حول الأسعار وقد نطالب بمزيد من الإجراءات، لكن علينا أيضًا أن ننصف كل جهد ناجح.

فتحية تقدير وإعزاز لكل من يعمل على حماية الأمن الغذائي للمصريين، وفي مقدمتهم وزارة التموين والتجارة الداخلية بقيادة الدكتور شريف فاروق ولكل أجهزة الدولة التي تعمل على تأمين احتياجات المواطنين في وقت يواجه فيه العالم واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا.

ففي زمن تهتز فيه أسواق الطاقة وتتعطل فيه طرق التجارة وترتفع فيه تكلفة النقل والشحن يصبح وجود الغذاء على أرفف الأسواق وقدرة الدولة على توفيره إنجازًا لا ينبغي أن نغفل عنه. فالأمن الغذائي لا يعني ألا ترتفع الأسعار وإنما يعني قبل كل شيء ألا تغيب السلعة عن المواطن.

كيف تحافظ مصر على توافر هذه السلع الأساسية؟