«أنت متهم بارتكاب جريمة سب وقذف».. وآخر يواجه اتهامًا بالنصب على شخص في مبلغ مالي، بينما ينكر الاثنان ما نُسب إليهما ويتمسكان بعدم ارتكاب الواقعة. لكن خلف المشهد، قد يظهر خيط آخر يقود جهات التحقيق إلى صاحبه، وهو خط هاتف محمول مسجل باسمه دون أن يعلم عنه شيئًا أو يكون هو المستخدم الفعلي.

من هنا بدأت رحلة جديدة داخل أروقة الأجهزة المختصة في الدولة لمواجهة شبكات تداول خطوط الهواتف المحمولة المسجلة ببيانات مواطنين من دون علمهم، في تحرك لا يستهدف فقط ضبط بائعي الشرائح أو المتاجرين بها، وإنما يمتد إلى كشف كيفية تسجيل الخط وتفعيله وتداوله، ومن يقف وراء وصوله إلى مستخدم فعلي ببيانات شخص آخر.

ومع تصاعد شكاوى المواطنين من اكتشاف خطوط مسجلة بأسمائهم دون علمهم، تحركت أجهزة الأمن والنيابة العامة لتتبع «رحلة الخط» من مصدره إلى مستخدمه، وفحص العقود والبيانات والتوقيعات، وصولًا إلى تحديد المسؤول عن كل حلقة في سلسلة التسجيل والتفعيل والبيع.

فكيف تتحرك الأجهزة الأمنية والنيابة لمواجهة هذه الشبكات؟ وما مصير من يثبت تورطه في تسجيل أو تفعيل أو بيع خط ببيانات شخص آخر؟ والأهم.. ماذا يفعل المواطن إذا اكتشف أن هناك خطًا مسجلًا باسمه دون علمه؟

وخلال الأيام الأخيرة، كشفت التحركات الأمنية والقضائية عن اتجاه أكثر تشددًا في التعامل مع الظاهرة، يقوم على تتبع «رحلة الخط» منذ لحظة تسجيله وحتى وصوله إلى المستخدم الفعلي، وليس الاكتفاء بضبط من يقوم ببيعه في السوق.

397 شريحة في واقعة واحدة.. وتحقيقات تكشف مسار الخط من التسجيل والتفعيل إلى البيع والتداول

في أحدث التحركات، أعلنت وزارة الداخلية ضبط 4 أشخاص في محافظة البحيرة، بينهم مندوب مبيعات بإحدى شركات الاتصالات، لاتهامهم ببيع وترويج شرائح هاتف محمول مجهولة المصدر ومفعلة مسبقًا باستخدام بيانات أشخاص آخرين دون إثبات ملكية المستخدمين الفعليين لها.

وعثرت قوات الأمن بحوزة المتهمين على 397 شريحة هاتف محمول تابعة لشركات اتصالات مختلفة، إلى جانب جهاز كمبيوتر محمول وجهاز مخصص لتفعيل الخطوط.

وأشارت التحريات إلى أن المتهمين كانوا يحتفظون بالشرائح بقصد الاتجار بها، فيما أقروا خلال التحقيقات بحيازتها لهذا الغرض. وقد تم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.

وتكتسب الواقعة أهميتها من كونها تأتي في توقيت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من اكتشاف خطوط محمولة مسجلة بأسمائهم دون علمهم أو حيازتهم لها، وما يترتب على ذلك من مخاوف بشأن إمكانية استخدام تلك الخطوط في عمليات احتيال أو غيرها من الأنشطة غير القانونية.

النيابة تدخل على خط الأزمة.. والهدف كشف «سلسلة الخط»

بالتوازي مع التحركات الأمنية، تباشر النيابة العامة تحقيقات موسعة في وقائع تسجيل وتداول وبيع خطوط هواتف محمولة مفعلة ومقيدة ببيانات أشخاص غير مستخدميها الفعليين.

وكلف النائب العام نيابة الشئون الاقتصادية وغسل الأموال بالتحقيق فيما كشف عنه إخطار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بشأن شكاوى مواطنين من وجود خطوط مسجلة بأسمائهم دون علمهم أو تعاقدهم عليها.

ولم يتوقف الأمر عند فحص الشكوى ذاتها، إذ جرى فحص قواعد بيانات شركات الاتصالات والتحقق من مدى استيفاء إجراءات التسجيل للضوابط المطلوبة. كما تم مراجعة العقود والمستندات المرتبطة بالخطوط محل الشكوى.

وهنا تظهر زاوية مهمة في طريقة التحقيق: السؤال لم يعد فقط «من باع الخط؟»، وإنما «كيف وصل الخط إلى السوق؟ ومن سجله؟ ومن فعّله؟ ومن حصل عليه؟ ومن أعاد بيعه؟ وهل صاحب البيانات كان يعلم أو وافق على تسجيله؟».

3 وقائع في القاهرة والغردقة.. وضبط خطوط مقيدة بأسماء آخرين

وفي سياق متصل، باشرت النيابة العامة التحقيق في ثلاث وقائع بالقاهرة والغردقة أسفرت عن ضبط عدد من المتهمين على خلفية اتهامات بترويج وبيع خطوط هواتف محمولة مفعلة ومقيدة ببيانات أشخاص آخرين عبر محال غير مصرح لها بذلك بهدف تحقيق أرباح مادية.

وأسفرت إجراءات الضبط عن التحفظ على 31 خطًا تابعًا لعدد من شركات الاتصالات. وثبت من الاستعلامات الأولية أن عددًا منها مقيد ببيانات أشخاص آخرين. فيما استمر فحص باقي الخطوط والتحقق من بياناتها.

وكشفت التحريات في إحدى الوقائع عن حصول أحد المتهمين على خطوط من تجار داخل مدينة الغردقة وخارجها ثم إعادة بيعها للراغبين في الحصول على خطوط مسجلة ببيانات غير بيانات مستخدميها الفعليين سواء كانوا مصريين أو أجانب مقابل تحقيق أرباح مادية.

كيف تعمل المواجهة؟.. 5 حلقات للتحقيق

وتكشف الإجراءات التي أعلنتها النيابة عن منظومة فحص تتجاوز مجرد ضبط الشرائح وتتحرك عبر عدة حلقات:.

  • أولًا: فحص قواعد البيانات: مراجعة بيانات الخطوط محل الشكاوى ومقارنتها ببيانات أصحاب الأسماء المسجلة عليها.
  • ثانيًا: فحص العقود والمستندات: ضبط أصول العقود والبيانات المرتبطة بتسجيل الخطوط والتحقق من المستندات التي تم على أساسها التسجيل.
  • ثالثًا: الفحص الفني: فحص ما نسب إلى أصحاب البيانات من توقيعات بمعرفة الجهات الفنية المختصة للوصول إلى مدى صحة إجراءات التسجيل.
  • رابعًا: تتبع مصدر الخط: معرفة الجهة التي حصل منها المتهمون على الشرائح وكيفية تفعيلها ومن قام بتسجيلها وكيف انتقلت من مرحلة التسجيل إلى التداول.
  • خامسًا: تحديد المسؤولية: استجواب كل شخص تكشف التحقيقات عن مسؤوليته مع فحص مدى علم أصحاب البيانات أو موافقتهم على تسجيل الخطوط بأسمائهم.

وهذه الحلقة الأخيرة تحديدًا مهمة للمواطنين؛ فوجود رقم هاتف في قاعدة البيانات باسم شخص لا يعني وحده أن هذا الشخص هو مستخدم الخط أو أنه ارتكب جريمة به. بل تعمل التحقيقات على تحديد حقيقة العلاقة بين صاحب البيانات والخط محل الفحص.

ماذا عن شركات الاتصالات؟

الملف لم يقف عند البائعين أو التجار؛ فقد أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إحالة شركات المحمول الأربع العاملة في مصر إلى النيابة العامة للتحقيق في الشكاوى المتعلقة بتسجيل خطوط بأسماء مواطنين دون علمهم بعد فحص الشكاوى واستكمال الأدلة والمستندات المرتبطة بها.

كما أعلن الجهاز إجراءات تنظيمية عاجلة بالتنسيق مع شركات الاتصالات لتشديد الرقابة على عمليات تسجيل الشرائح والتحقق من هوية حائزيها الفعليين. وشملت الإجراءات وقف بيع أو تفعيل خطوط جديدة للجهات والمؤسسات عبر أنظمة الشركات وإلزام الشركات بإبلاغ أصحاب الخطوط القديمة المسجلة بضرورة مراجعة الفروع وتحديث بيانات الملكية بأسماء المستخدمين الفعليين. بالإضافة إلى الإسراع بتطبيق آليات للتحقق البيومتري لهوية مستخدمي الخطوط عبر التطبيقات الإلكترونية لشركات الاتصالات.

ماذا ينتظر المتورطين؟

المسؤولية القانونية في هذا الملف لا تُقاس بمجرد حيازة شريحة هاتف محمول وإنما تتحدد وفق الفعل الذي يثبت ارتكابه ودور كل شخص في الواقعة. وبحسب ما تكشفه التحقيقات يمكن أن تشمل المسؤولية كل فرد يثبت تورطه في تسجيل أو تفعيل أو تداول خطوط بالمخالفة للقانون مع اختلاف الوصف القانوني والعقوبة بحسب طبيعة الفعل والأدلة التي تثبته. فضلًا عن احتمال وجود مسؤوليات أخرى إذا ارتبط استخدام الخط بجريمة مستقلة. ولهذا تركز النيابة على تحديد جميع حلقات التداول وليس فقط الشخص الذي ضبط بحوزته الخطوط.